تلخيص جمع الجوامع

الآية · الحديث · المصنِّف · الشارح · مثاله · مسألة / حكمه

تحميل PDF

مباحث الخاص:

95

التخصيص: أي تعريفه: قصر العام على بعض أفراده: أي: إخراج بعض أفراد العام عن دلالة العموم ويبقى البعض. (فلا يتناول الجميع). مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". عام. فجاء التخصيص بالاستثناء ليخرج بعض الأفراد بقوله تعالى: "إلا الذين آمنوا".

والقابل له: والقابل للتخصيص. حكم ثبت لمتعدد: أي: كل حكم ثبت لمتعدد فهو قابل للتخصيص. سواء كان لفظاً أو معنى. مثاله قال تعالى: "قد أفلح المؤمنون". حكم الفلاح ثبت لمتعدد (لأكثر من واحد). المؤمنون. فقبل التخصيص بقوله تعالى: "الذين هم في صلاتهم خاشعون". ومثاله في المعنى قال تعالى: "ولا تقل لهما أف". حكم الإيذاء ثبت لمتعدد. فيشمل كلاً من الإيذاء القولي والفعلي وغيرهما. وبالتالي هو يقبل التخصيص. فخُص بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". (وإن ترتب عليه إيذاء).

* سيتطرق الآن لبيان المقدار الذي لا بد أن يبقى من العام بعد التخصيص. وذكر فيه خمسة أقوال:

① والحق جوازه إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعاً: بمعنى: العام الذي لا يكون لفظه جمعاً كالمفرد المحلى بأل (المسلم). واسم الجنس المحلى (الإنسان). والألفاظ المبهمة (أسماء الشرط والموصولة...). يجوز فيه التخصيص إلى أن يبقى واحد من العام. مثاله "المسلم أخو المسلم" - "المؤمن للمؤمن كالبنيان". وإلى أقل الجمع وإن كان: أي أما إن كان لفظ العام جمعاً: كالمسلمون - المؤمنون... (وهو ما يصطلح عليه بالعام الكامل. فيكون عاماً في لفظه ومعناه). فهذا يجوز فيه التخصيص. بشرط أن يبقى أقل مقدار الجمع فيه. وهو ثلاثة أو إثنان على قول ② وقيل: مطلقاً: أي: جواز تخصيص العام مطلقاً إلى أن يبقى منه واحد. سواء كان اللفظ جمعاً أم لا.

③ وشذ المنع مطلقاً: أي. وشذ منع جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد. بمعنى آخر: لا يجوز التخصيص إلا إلى أقل الجمع سواء

96

كان اللفظ جمعاً أو غير جمع. ④ وقيل بالمنع إلا أن يبقى غير محصور: أي: لا يجوز التخصيص إلى واحد ولا إلى إثنان ولا إلى ثلاثة. إنما يجوز إذا بقي من العام عدد كثير غير محصور. لأنهم يرون أن التخصيص إذا استنفد أكثر العام تبطل دلالة العام. فقالوا بالمنع إلا أن يبقى غير محصور. ⑤ وقيل إلا أن يبقى قريب من مدلوله: ومدلوله هو كل أفراده والمعنى: لا يجوز التخصيص إلا أن يبقى بعد التخصيص أكثر العام.

* سيتكلم الآن عن العام المخصوص والذي أريد به الخصوص والفرق بينهما.

والعام المخصوص: وهو اللفظ الذي يتناول أفراداً غير محصورة ثم يدخله التخصيص. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". عام مخصوص بقوله تعالى: "إلا الذين آمنوا". عمومه مراد تناولاً لا حكماً: أي. أن العام المخصوص أُريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ له. لا من جهة الحكم. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". الكافر باق بتناوله اللفظ ولم يخرج من مسمى الإنسان. وإنما خرج من الحكم بالخسارة. والمراد به الخصوص: أي: العام الذي أُريد به الخصوص: وهو لفظ صيغته صيغة عموم ومعناه معنى خصوص. مثاله قال تعالى: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم". الناس لفظ عام معناه خاص أُريد به واحد. وهو نعيم بن مسعود. وقوله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله". الناس لفظ عام أُريد به الخصوص. وهو النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يصح أن نقول فيه عام مخصوص لأنه من البدايه لم يُرد به العموم بل أُريد به الواحد. ليس مراداً: أي، عمومه ليس مراد في التناول ولا في الحكم. بل كلي استعمل في جزئي: أي: اللفظ كلي عام استعمل في جزئي في معنى خاص. فرد واحد. ومن ثم كان مجازاً قطعاً: أي، العام المراد به الخصوص هو ليس بعام حقيقة وإنما عام مجازاً. لأنه لا حقيقة لعمومه لا في تناول أفراده ولا في الحكم. وإنما اكتسب اسم العام من مجرد اللفظ. فكان مجازاً.

* سينتقل إلى ذكر الأقوال في العام المخصوص بعد التخصيص

97

هل يبقى عاماً حقيقة، أم يكون مجازاً؟ وهي سبعة:

① والأول: العام المخصوص، الأشبه حقيقة: بمعنى: دلالة العام على ما بقي من أفراده بعد التخصيص حقيقية في عمومه. (إختيار المصنف). وفاقاً للشيخ الإمام: والده والفقهاء: الحنابلة والحنفية والشافعية. ② وقال الرازي: ليس صاحب المحصول فهو الإمام وإنما أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي. إن كان الباقي غير منحصر: فهو يفصل. بحيث إن كان الباقي بعد التخصيص قريب من مدلول العام (كثير - غير منحصر)، فحينئذ يكون عمومه حقيقة. أما إن صار الباقي بعد التخصيص ليس قريباً من مدلول العام. (قليل)، فيتحول العموم إلى مجاز. ③ وقوم. إن خص بما لا يستقل: أي: إذا خص بأحد المخصصات الغير مستقلة المتصلة (كالشرط والصفة والاستثناء). فهو حقيقة. أما إذا كان التخصيص منفصلاً. فيصير العام بعد التخصص مجازاً. مثاله المتصل (غير المستقل). قال تعالى: "والعصر.. إلا الذين آمنوا". المنفصل. قال تعالى: "وأتوا حقه يوم حصاده". خصص بقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر". ④ وإمام الحرمين الجويني حقيقة ومجاز باعتبارين تناوله: أي. باعتبار تناوله لما بقي من الأفراد فهو حقيقة. لأن اللفظ العام يتناولها وضعاً. والاقتصار عليه: أما باعتبار الاقتصار على ما بقي بعد التخصيص فمجاز. لأن اللفظ العام وُضع للاستغراق. وبالتالي هو مجاز باعتبار اقتصارنا على بعض مدلوله لا كله.

⑤ والأكثر: أكثر الأصوليين. مجاز مطلقاً: أي: العام المخصوص. عمومه لما بقي من الأفراد عمومٌ مجازي لا حقيقي. ⑥ وقيل: إن استثنى منه: أي: أن العموم بعد التخصيص هو حقيقة في ما بقي من الأفراد. إلا إذا خُص بالاستثناء فيكون مجازاً. مثاله قال تعالى: "والعصر.... إلا الذين آمنوا": هنا التخصيص بالاستثناء وبالتالي العموم في ما بقي بعد التخصيص هو عموم مجازي لا حقيقي ⑦ وقيل إن خص بغير لفظ: أي. كما تقدم. أن المخصص قد يكون نصاً (لفظاً)، وقد يكون غيره كالعقل. معنى الكلام: أن المخصص إن كان لفظاً فيكون العموم حقيقة. أمّا

98

إن كان بغيره كالعقل فيكون مجازاً. مثاله تخصيص غير القادر من التكاليف بالعبادات. استقر عقلاً أن غير القادر ليس مخاطباً وإن كان عندنا نصوص شرعية فيه.

والمخصص: وهو العام بعد التخصيص. هل يفقد حجيته أم يبقى حجة؟؟ سيذكر ستة أقوال: ① قال الأكثر: الجمهور. حجة: نعم حجة ② وقيل إن خص بمعين: أي، إذا خص بمبهم فليس بحجة. مثاله أعط الفقراء إلا من لا يصلح. فمن لا يصلح مبهم غير مبين لا تدري من هو. لذلك قالوا: (تخصيص المجهول من المعلوم يصير المعلوم مجهولاً). فالمخصص المبهم ليس بحجة إطلاقاً بإجماع.

(حكاه الآمدي)

③ وقيل بمتصل: هو حجة إن خص بمتصل بالشرط والاستثناء وإلا فلا. ④ وقيل إن أنبأ عنه العموم: إن أنبأ عنه العموم فهو حجة وإن لم ينبئ عنه العموم لا يبقى حجة. مثاله قال تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". فإنه ينبئ عن الحربي. فإذا خرج الذمي والمعاهد والمستأمن بقي حجة في الحربي.

بخلاف قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا..". فإن عمومها لا ينبئ عن كون المسروق نصاباً ولا في حرز ولا شبهة. فإذا خرجت حالة انتفائهم لم يكن حجة في حالة وجودهم. ⑤ وقيل: في أقل الجمع: هو حجة في أقل الجمع. لأنه المتيقن عندهم أمّا ما زاد فوق أقل الجمع فهو مشكوك وبالتالي ليس حجة فيه. ⑥ وقيل غير حجة مطلقاً: بمعنى: يصير مجملاً. كما لو خُص بمُبهم. فلا يستدل به في البقية إلا بدليل. (تطبيقات السلف تدل على خلاف وضعف هذا القول الأخير).

* تنبيه: هذه المسألة مرتبة على التي قبلها، والخلاف هنا مفرع على القول هناك بأنه (العام المخصوص). مجاز. فأما إذا قلنا: إنه حقيقة فيكون حجة قطعاً. فانتبه.

* المقرر أن أغلب العمومات مخصصة. فإذا وجدنا نصاً عاماً فغالب الظن هو احتمال وجود مُخصص له. فهل نعمل بالعموم مع احتمال وجود المخصص؟ أم لا نعمل حتى نبحث ونتأكد. من المخصص؟ ثلاثة أقوال:

① ويتمسك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل

99

البحث عن المخصص: أي: العام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعمل به في جميع أفراده قبل البحث عنه هل دخله تخصيص (بلا خلاف).

وكذا بعد الوفاة: أي. والراجح العمل أيضاً بعد الوفاة في زمن الصحابة ومن بعدهم من مجتهدي الأمة سواء. ② خلافاً لابن سريج: أي: لا يجوز العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص حتى يغلب على ظنه عدم وجود المخصص. ويذكر عن الباقلاني: حتى يقطع ويجزم ويتأكد من عدم وجود المخصص. (ورد عليه المصنف).

ثم يكفي في البحث الظن خلافاً للقاضي: أي: يكفي في البحث عن المخصص غلبة الظن لا الجزم والقطع كما قال القاضي.

المخصص قسمان: متصل وهو مالا يستقل بنفسه بحيث يكون جزءً من اللفظ. ومنفصل وهو ما استقل. قال:

الأول المتصل: وهو خمسة: الاستثناء والصفة والشرط والغاية والبدل.

① الاستثناء وهو الإخراج: أي: إخراج بعض أفراد العام من العام. (المستثنى والمستثنى منه). ب(إلا): وهي أشهر أدوات الاستثناء. أو إحدى أخواتها: كخلا وعدا وسوى وحاشا وغير. مثاله قال تعالى: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا». من متكلم واحد: أي: أن يصدر المستثنى والمستثنى منه من نفس المتكلم. مثاله إذا قال إنسان حضر الطلاب وقال آخر إلا عمراً. فلا يعتبر إستثناءً. وقيل مطلقاً؛ أي: يصح من المتكلم وغيره. ومثاله* بقوله صلى الله عليه وسلم في مكة: «لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها». فقال له العباس: إلا الإذخر يا رسول الله... فقال: «إلا الإذخر».

ويجب اتصاله: يجب اتصال المستثنى بالمستثنى منه في نفس اللفظ لأنهما في حكم جملة واحدة. (ولو جاز بعده لما صح نكاح ولا طلاق ولا عتاق.) هـ عادة: المراد الاتصال العادي. أما ما يطرؤ من الانفصال بسعال أو ضيق نفس... فهنا لا يؤثر. وعن ابن عباس إلى شهر: أي: عنه يجوز انفصاله إلى شهر. وقيل سنة وقيل أبداً: والخلاف جاء في مسألة واحدة لكن عُمّم فيها القول في كل الاستثناء. وهو الاستثناء تعليق اليمين على المشيئة وتحديداً في قوله تعالى: «ولا تقولن لشيئ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله». فجاء سياق كلام بن عباس في تصحيح تعليق العبد كلامه بالمشيئة متى تذكر

100

إعمالاً لقوله تعالى: «واذكر ربك إذا نسيت». قال بن عباس: من حلف وقال إن شاء الله فله أن يستثني إلى سنة. فكلامه على اليمين لا في تخصيص العموم بالإستثناء. * لكن لما كان التعليق بالمشيئة يُسمى إستثناءً ادخلوه في الاستثناء بإعتباره من باب واحد. وهذا يردُّه ما عليه الجمهور. مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير. فلو جاز الاستثناء لما احتاج للكفارة.

وعن سعيد بن جبير أربعة أشهر: أي: يجوز انفصاله إلى أربعة أشهر. وعطاء والحسن في المجلس: أي: يستثنى مادام في مجلس كلامه. طال الانفصال أم قصر. كما في بيع الخيار. ومجاهد سنتين: يستثنى إلى سنتين. وقيل ما لم يأخذ في كلام آخر: أي: مالم ينتقل للكلام في موضوع آخر جاز له الاستثناء. وقيل: بشرط أن ينوي في الكلام: اي: ان ينوي الاستثناء عند البدئ بالكلام بالعموم. وقيل: في كلام الله فقط: أي: يجوز انفصال الاستثناء في كلام الله فقط.

أما المنقطع: أي: الاستثناء المنقطع: وهو ما كان فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه. مثاله الشهير أقبل القوم إلا حماراً. فهل المنقطع هو من جنس الاستثناء أم لا؟ خمسة أقوال:

① الاستثناء المنقطع هو استثناء مجازاً والمتصل استثناء حقيقي. مثاله قال تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن».

② الاستثناء المنقطع حقيقي. وبالتالي يكون الاستثناء متصلاً ومنقطعاً.

③ فثالثها: متواطئ: أن إطلاق الاستثناء على المنقطع وعلى المتصل من باب المتواطئ. بمعنى: حقيقتهما واحدة والاشتراك بينهما معنوي. مثاله الإنسانية في زيد وعمر وهند واحدة في كل منهم حقيقة بالتواطئ. ④ والرابع مشترك: أي: هو من الاشتراك اللفظي فقط. وُضع لكل منهما على انفراده. فليس بينهما قدر مشترك إلا اللفظ. مثاله إشتراك لفظ العين في الجارية والجارحة.

⑤ والخامس الوقف: ليس لصاحبه فيه قول.

والأصح وفاقاً لابن الحاجب: هنا سيتكلم عن حقيقة الاستثناء

101

في تركيبه وذلك في ثلاثة أقوال:

① أولها لابن الحاجب. وهو الراجح عنده. بيّنه بضرب المثال. فقال: إن المراد بعشرة في قولك: عشرة إلا ثلاثة: بمعنى: إذا قلت: له علي عشرة إلا ثلاثة. ما الذي تريده. عشرة أم سبعة؟ قال: العشرة بإعتبار الأفراد: أي: المراد لفظاً. قولا: هو جميع أفراد المستثنى منه. وهو (عشرة). لكن انتبه: هنا لم يسند الحكم بعد. ثم: (اعتباره لجميع الأفراد حتى يتسنى له الإخراج الذي هو من شروط الإستثناء). ثم أخرجت ثلاثة: فبقيت سبعة. ثم أسند: أي: الآن بعد إخراج المستثنى تم إسناد الحكم. إلى الباقي: الذي هو سبعة. تقديراً: أي: معنى وثمرة وحقيقة. وإن كان قبله ذكراً: أي: وإن كان أسنده قبل الإخراج لفظاً. (لكن لا حقيقة وحكماً).

خلاصة القول الأول: نريد جميع أفراد المستثنى منه (لفظاً) عشرة. ونسند الحكم بعد إخراج المستثنى معناً وحقيقة. (فنسند اللفظ إلى عشرة والحكم إلى سبعة).

② وقال الأكثر: وهو قول الجمهور. المراد سبعة: أي. المراد بعشرة في المثال المذكور سبعة. و(إلا) قرينة: وأداة الاستثناء قرينة على إطلاق إسم الكل وإرادة البعض مجازاً. (فإلا استثناء مُوضح لمراد المتكلم). ③ وقال القاضي: أبو يوسف صاحب أبي حنيفة. عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد ومركب: أي: أن المستثنى والمستثنى منه كلاهما وُضع لمعنى واحد. بمعنى: أن لسبعة إسمان: مفرد وهو سبعة. ومركب: وهو عشرة إلا ثلاثة. (لكنه خالف النحاة في أن الاستثناء هو إخراج. ولا إخراج على ما قرره).

① ولا يجوز المستغرق: أي: لا يجوز إستثناء الكل من الكل. مثاله له ثلاثة أبناء فقال: أعطيت أبنائي إلا عمراً وزيداً وهنداً. وليس عنده سواهم فاستثنى الكل من الكل. خلافاً لشذوذ: أي: خلافاً لقول شاذ يجوز الاستثناء المستغرق.

*فائدة: اتفقوا على المستغرق إلا من شذ. واتفقوا أيضاً على استثناء الأقل من الكل.

② قيل: ولا الأكثر: أي: ولا يجوز استثناء الأكثر من الكل. مثاله له علي عشرة إلا تسعة. وقيل: ولا المساوي: أي: ولا يجوز استثناء المساوي وهو النصف. مثاله له علي عشرة إلا خمسة. وكلاهما خلاف قول الجمهور. إذ جوزوا

102

إستثناء الأكثر والمساوي. مثاله قال تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين». وقال: «قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين». سواء قلت الضلال أو الهداة أكثر. حصل إستثناء الأكثر. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته». وقيل: إن كان العدد صريحاً: بمعنى: لا يجوز إستثناء الكل والمساوي في العدد الصريح ويجوز في غير الصريح. مثاله له علي عشرة إلا سبعة. صريح فلا يجوز. مثال الثاني له علي عشرة إلا الزائف منها. صح الاستثناء وإن كان الزائف خمسة أو سبعة.

وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح: العقد الصحيح هو العدد التام من العشرات. مثاله ..10-20-30... فلا يجوز أن تستثني من العدد عقداً صحيحاً: كقولك: له علي مائة إلا عشرة. (وقيل: يجوز في ثلاثة هـ لأنه ليس بعقد صحيح).

والاستثناء من النفي إثبات: أي: إذا استثنيت من النفي فإنك تثبت المستثنى. مثاله ما حضر القوم إلا زيداً. وبالعكس: إذا استثنيت من الإثبات فإنك تنفي المستثنى. مثاله حضر القوم إلا زيداً. (وهو قول الجمهور). خلافاً لأبي حنيفة: من أهل العلم من قال أن الأحناف خالفوا في كلتا القاعدتين. ومنهم من قال فقط في الاستثناء من النفي إثبات دون العكس.

والمتعددة: أي: الاستثناءات المتعددة والمتكررة في كلام واحد. إن تعاطفت: إذا جاءت معطوفة بالواو. فللأول: أي: تُخصم كلها من العدد الأول. مثاله له علي عشرة إلا ثلاثة وإلا إثنان وإلا واحد. فتجمع الكل وهو ستة. وتخصمه من الأول وهو عشرة. فيكون أقرّ بأربعة. وإلا: أي: إن لم تأت معطوفة. فكل لما يليه: يُخصم كل واحد من الذي يليه. له علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة. فيكون أربعة ناقص ثلاثة هو واحد. وخمسة ناقص 1 هو أربعة. وعشرة ناقص أربعة هو ستة. فيكون أقرّ بستة. مالم يستغرقهُ: مالم يستغرق الكل. وحينئذ يبطل الاستثناء.

والوارد بعد جمل متعاطفة: الاستثناء الواقع بعد جملٍ عُطِف

103

بعضها على بعض. وهو على ستة أقوال: (أما عطف المفردات بعضها على بعض فسيأتي). ① للكل: وهو قول الجمهور. أي: يعود الاستثناء إلى كل الجمل. مثاله قال تعالى: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا». فالاستثناء الذي هو التوبة. يعود على الكل. وهو ارتفاع الفسق وقبول الشهادة. * خلافاً للحنفية. يعود عندهم على الأخير فقط. فيرتفع الفسق دون قبول الشهادة. أما حد القذف فلا يسقط لأنه ثبت بدليل آخر. واتفق عليه الجميع.

*فائدة: اتفقوا فيما يصلح فيه عود الاستثناء على الجميع أنه للكل بلا خلاف. مثاله آية الحرابة. قال تعالى: «إن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون..». وآية الفرقان «والذين لا يدعون مع الله إله آخر» واتفقوا أيضاً أنه يعود على الجملة الأخيرة إذا تعذر ولم يصح عوده على الباقي بدليل آخر. مثاله قال تعالى: «ومن قتل مؤمناً متعمداً فتحرير رقبة مؤمنة ودية..» «إلا أن يصدقوا». فإن تصدقوا وهو الاستثناء. تسقط الدية دون الكفارة.

② وقيل إن سبق الكل لغرض: حُكي عن القاضي عبد الجبار. معناه: أن الاستثناء يعود على الكل إذا كان سياق الكلام لغرض واحد وإلا فللأخيرة. مثاله أكرم بني تميم وأحسن ضيافتهم إلا الفساق. خلاف قوله: أكرم بني تميم وأحص عددهم إلا الفساق. فتعود للأخيرة لإختلاف الغرض. وقيل إن عطف بالواو: قاله الآمدي: أي ما كان معطوفاً بالفاء أو بثُمّ يعود على الجملة الأخيرة فقط. أما ما عطف بالواو فيعود للكل. (لكون الواو للجمع. والفاء وثم للفصل والترتيب).

④ وقال أبو حنيفة والإمام: الرازي للأخيرة: أي يعود فقط للأخيرة وقد مرّ مثاله في القول الأول. ⑤ وقيل مشترك: أي: يكون للأخير وللكل. وذلك لوروده تارة للأخير وتارة للكل. ⑥ وقيل: بالوقف: القاضي أبو بكر والغزالي. وذلك لعدم العلم بمدلوله.

والواو بعد مفردات: أي: الاستثناء في المفردات المعطوفة بعضها على بعض. أولى بالكل: يعود فيها للكل باتفاق. وذلك لعدم استقلالها.

أما القران بين الجملتين لفظاً فلا يقتضي التسوية في غير

104

المذكور حكماً: القران بين الجملتين في اللفظ إشتركتا في حكم من الأحكام. يقتضي إشتراكهما في الحكم المذكور فقط. ولا يقتضي التسوية في حكم آخر غير مذكور. مثاله قال تعالى: «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه». فعطف واجباً على مباح. خلافاً لأبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة والمزني: صاحب الشافعي. قالوا: يقتضي التسوية أيضاً في غير المذكور. مثاله إسقاط بعض الأحناف الزكاة على الصبي. لقوله تعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة». فعدم وجوب الصلاة يقتضي عدم وجوب الزكاة.

الثاني: من المخصصات المتصلة الخمسة.

الشرط: تعريفه: هو ما يلزم من عدمه العدم: فأخرج الموانع لأنها لا يلزم من عدمها شيئ. مثاله الحيض مانع من صحة الصلاة ولا يلزم من عدمه شيئ. ولا يلزم من وجوده وجود: فخرج السبب لأنه يلزم من وجوده وجود. مثاله زوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر. فالأسباب يلزم من وجودها وجود الحكم. ولا عدم لذاته: ليخرج ما اقترن فيه السبب والشرط. الزكاة لابد لوجوبها وُجود السبب والشرط معاً. (الحول + النصاب) ولذلك قال: لذاته. حتى لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. لأنه إذا ارتبط بغيره يلزم. * والشرط عقلي كالحياة للعلم. وشرعي كالطهارة للصلاة. وعادي كالسلم للصعود. ولغوي وهو المخصص والمراد هنا دون غيره.

وهو كالاستثناء اتصالاً: أي: الخلاف الذي ذكر في الاستثناء من جهة اتصاله وانفصاله بالكلام. يعاد هنا في الشرط.

خلاصته: اشتراط الاتصال والتسامح في الانفصال اليسير كالعطاس وأخذ النفس. فمن قال بالجواز هناك في الاستثناء قال به هنا في الشرط والعكس.

* والعلاقة بينهما هو كون الشرط في أحد استعمالاته استثناء. كقولك: إن شاء الله. وأولى: أي: والشرط أولى من الاستثناء. بالعود إلى الكل: وهو آخر ما ذكر في الاستثناء في الجمل المتعاطفة.

*فائدة: الاستثناء في الجمل المتعاطفة يعود إلى الأخيرة إتفاقاً. ويعود إلى ما يلزم العود إليه إتفاقاً. ويُمنع عوده إلى ما لا يصلح

105

حمله عليه اتفاقاً. والخلاف في عوده للأخيرة فقط أو للكل. بين الجمهور والحنفية فيما عدا ما ذُكر.

* معنى كلامه: أنه إذا كان الصحيح والراجح في تعقب الاستثناء الجمل المتعاطفة عودته على الكل. ففي تعقب الشرط الجمل المتعاطفة عودته على الكل من باب أولى. مثاله أكرم بني فلان وأطعم بني فلان وألبس بني فلان... إن كانوا فقراء. يعود على الكل. على الأصح: إشارة إلى وجود خلاف. وإن كان ضعيفاً.

* مر في الاستثناء: اتفقوا على جواز استثناء الأقل وعلى بطلان استثناء الكل. واختلفوا في الأكثر والمساوي. (والراجح جواز الكل). هنا في الشرط قال:

ويجوز إخراج الأكثر به وفاقاً: اتفقوا على تخصيص الأكثر بلا خلاف. مثاله أكرم بني فلان إن كانوا حفاظاً. ثم اتضح أن أكثرهم حفاظ. صح التخصيص.

الثالث: من المخصصات المتصلة.

الصفة: وهي كل ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام. فهي الصفة المعنوية. لا المصطلح عليها عند النحاة والمرادفة للنعت. لهذا قد تكون نعتاً أو شرطاً أو ظرفاً أو حالاً. والصفة تأتي متقدمة وفي وسط الكلام ومتأخرة. قال: كالاستثناء في العود ولو تقدمت: بمعنى: لو جاءت الصفة متقدمة في الكلام فإنها تعود على كل الجمل المعطوفة بالإختصاص كالاستثناء. مثاله قال تعالى: «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم». أي: الصالحين والصالحات. أما المتوسطة: أي: الصفة في وسط الكلام. فالمختار: إشارة إلى أن المسألة محل خلاف. اختصاصها بما وليته: أي: تعود فقط على ما قبلها جملة كانت أو أكثر دون ما بعدها. مثاله أكرم بني فلان واستضف بني فلان المحتاجين وأعط بني فلان وامنع بني فلان. * أما المتأخرة ما ذكرها لإتفاقهم على عودها على الجميع.

الرابع: من المخصصات المتصلة.

الغاية:

107

القسم الثاني: من المخصصات. أخذنا المتصلة وهي خمسة والآن مع المنفصل.

المنفصل: أي: المخصصات المنفصلة وهي: التي تستقل ولا تحتاج معها إلى ذكر العام. وهي أنواع. قال:

① يجوز التخصيص بالحس: والحس المراد به المشاهدة. مثاله قال تعالى: «وأوتيت من كل شيئ». والمشاهد أنها لم تؤت أشياء كملك سليمان. والسموات... فكل شيئ ليس مقصود وإنما خُصص بالحس. والعقل: التخصيص بالعقل. وهو: ما دل العقل على عدم شمول النص له. مثاله قال تعالى: «الله خالق كل شيئ». فالذات الإلهية ليست مخلوقة. خُصص من عموم اللفظ بالعقل ضرورة. ولا نقول بالحس لأن هذا ليس محسوساً.

* وهو قسمان ① ضروري

② ونظري: مثاله قال تعالى: «ولله على الناس حج البيت». وخرج الطفل والمجنون عقلاً لعدم فهم الخطاب. خلافاً لشذوذ: قالوا العقل لا يخصص. ومنع الشافعية تسميته تخصيصاً: أي: اتفقوا معنا في أن العقل يدل على أن بعض ما يشمله اللفظ غير مراد. فنحن نسميه تخصيصاً بالعقل. وهم يسمونه عدم تناول اللفظ له. وهو لفظي: الخلاف لفظي فقط.

والأصح: كل ما سيأتي فيه خلاف يتفاوت قوة وضعفاً. حتى الصورة الأولى كما عند بعض الظاهرية. ① جواز تخصيص الكتاب به: تخصيص الكتاب بالكتاب. مثاله قال تعالى: «والمطلقات يتربصن». خص بآية: «وأولات الأحمال». ② والسنة بها: تخصيص السنة بالسنة. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر». خص بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». ③ وبالكتاب: تخصيص السنة بالكتاب. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قُطع من البهيمة وهي حية فميتة». خص بقوله تعالى: «ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها...» ④ والكتاب بالمتواترة: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة. مثاله قال تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة». يُخص بما تواتر في السنة من أنه صلى الله عليه وسلم. رجم المحصن من الزناة.

⑤ وكذا بخبر الواحد: وكذا الأصح تخصيص الكتاب بحديث الآحاد. عند الجمهور: والقول الثاني أضمره وهو المنع مطلقاً وعدم الجواز.

110

وأن العادة بترك بعض المأمور: عادة الصحابة في الزمن النبوي بترك بعض المأمور أو فعل بعض المنهي. كأن تثبت عنهم عادة فيما ترك لأمر عام أو فعل لنهي عام. تخصص: أي: هذا الأمر العام أو النهي العام يُخصص لكن بشرط وهو: إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم: هذه العادة كانت في زمنه فأقرها. فيكون التخصيص هنا بالسنة التقريرية لا العادة. أو الإجماع: فيكون التخصيص بالإجماع لا العادة.

وأن العام لا يقصر على المعتاد ولا على ما وراءه: أي: والأصح أن العام إذا ورد لا يقتصر على الصورة المخصوصة التي اعتادوها فقط. ولا يستثنيها فيقتصر على ما وراءها فقط. مثاله ورد نهي عن بيع الطعام بالطعام. وجرت العادة ألا يباع من الطعام إلا القمح. فلا يقتصر على القمح فقط. ولا يستثنيه ويقتصر على غيره من الطعام. وإنما يشمل كل شيئ. بل تطرح له العادة السابقة: تطرح تلك العادة ويؤخذ بالعموم. فيترك كل شيئ لأجل العموم. لأن العبرة باللفظ الشرعي.

وأن نحو: «قضى بالشفعة للجار»: بمعنى: إذا حكى الصحابة فعلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا قول). بلفظ فيه صيغة العموم كقوله: «قضى بالشفعة للجار». فحكايته بهذا الوصف. لا يعم: لا تحمل على العموم. قالوا: لأن الصحابي ربما يحكي موقفاً رآه من النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ليس بعام. وفاقاً للأكثر: أي: هذا ما ذهب إليه أكثر الأصوليين مع وجود من يخالف ويرى أن حكاية الصحابي فعل النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة العموم هو للعموم.