أقسام الحكم الشرعي الوضعي.#
وإن ورد: أي خطاب الشرع. * هنا سيشرع في الكلام عن الحكم الوضعي. وقوله ورَدَ هو غيرُ الإقتضاء الذي مرّ في الحكم التكليفي، فالتكليفي يأتي الخطاب فيه مقتضياً لفعل أو ترك أو تخيير. والوضعي يرِدُ مقرراً لسبب أو شرط أو مانع. مسألة: الحكم الوضعي وضعته وقررته الشريعة. فهو حكم شرعي لحكمه بالصحة والفساد. لكن لمّا لم يُخاطب به المكلف سُمي وضعيا للتمييز بينه وبين التكليفي. سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً: الواو بمعنى أو للتخيير والتنويع لا المعية. وتعريف هذه الخمس سيأتي. فوضع: أي حكم شرعيا وضعي.
وقد عرفت حدودها: الضمير يعود على الحكم الشرعي التكليفي بأقسامه الستة، وتعريف كُل من الندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة مُضمن في تعريف الإيجاب ومنه يُستخرج.
والفرض والواجب: وقد عرفت حدّ الواجب. مترادفان: يتفقان في اللفظ على معنى واحد عند الجمهور. خلافاً لأبي حنيفة: الذي خالف الجمهور وقال بالمغايرة بين الفرض والواجب. * فالفرض عنده آكد في الثبوت والقوة وهو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب السقوط إذا ترك أثرا وهو ما ثبت بدليل ضني كحديث الآحاد. وهو لفظي: أي هذا النزاع مرجعه الإصطلاح لا يترتب عليه أثر.
والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة: لا فرق بينها. خلافاً لبعض أصحابنا: من الشافعية. كالقاضي حسين صاحب التعليق والبغوي صاحب تفسير البغوي. فهي عندهم متغايرة بعضها أقوا من بعض.
فالسنة ما واضب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، والمستحب ما فعله مرة أو مرتين ولم يواضب عليه، والتطوع ما ينشؤه الإنسان بنفسه من نفل مطلق.
ولا يجب: أي المندوب والمستحب. بالشروع: أي من شرع في مستحب لا يجب عليه إتمامه. (بمعنى لا ينقل المستحب إلى واجب عند الشروع فيه). هذا عند الجمهور. خلافاً لأبي حنيفة: الذي يرى وجوب المستحب بعد الشروع فيه * ومالك في المستحب الذي قُطع من غير عُذر.
* الإئتمام = صاحبين[؟] الإمام: من إئتم بإمام وجب عليه إتمامه لإئتمامه بإمامه ولو كانت صلاته باطلة.
ووجوب إتمام الحج: أي بعد البدئ فيه فرضاً كان أو نفلا وكذلك العمرة. باتفاق. * قال الشافعي: فإن وجب المضي في فاسده ففي الصحيح من تطوعه آكد وأوجب. (فيه تصرف). لأن نفله كفرضه نيةً وكفارة وغيرهما: أي ما يترتب على الفرض يترتب على النفل.
والسبب: ما يضاف الحكم إليه: أي ما ينسب إليه. للتعلّق به: يعني السبب. أي تعلق الحكم بالسبب. من حيث إنه معرف للحكم: أي أن علاقة وارتباط
السبب بالحكم هو وجه التعريف بالحكم لا إيجابه. أو غيره: مشيراً إلى الخلاف. والشرط يأتي: سيأتي الحديث عنه في موضع آخر.
والمانع: الوصف الوجودي: لا العدمي. فمثلا: لا تقول المانع من وجوب الزكاة هو (عدم الغنى)، وإنما تقول الفقر أو الدين... * كذلك يخرج الشرط الذي يطلق عليه لفظ مانع تسامحاً. الظاهر: لا الخفي. المنضبط: لا يتخلف في إحدى أفراده. واعلم أن غير المنضبط لا يصلح أن يكون سبباً ولا مانعاً (كالمشقة). المعرف نقيض الحكم: أي ينقض الحكم. كالأبوة في القصاص: هذا مثال. فالأبوة مانعة لحكم القصاص عند الجمهور (أما عند أشهب ومالك. إذا أضجعه وذبحه قُتل به). (فصلوا في المسألة).
* كون الشيئ الواحد سبباً وشرطاً ومانعاً. مثال ← الإيمان سبب للثواب وشرط في صحة الصلاة ومانع من القصاص في قتل الكافر.
والصحة: موافقة: كل فعل عبادة كان أو معاملة. ذي الوجهين الشرع: أي الفعل الذي له وجهان. أحدهما يوافق الشرع والآخر يخالفه. مثاله ← البيع إن كان على الوجه الموافق للشرع وُصف بالصحة (وهو المراد هنا). وإن كان على الوجه المخالف وُصف بالفساد أو البطلان. فيخرج بقوله ذي الوجهين، ذا الوجه الواحد. مثاله ← الكفر. فليس له إلا وجه واحد وهو مخالف للشرع، إذ لا يوجد كفر موافق للشرع. وقيل: في العبادة إسقاط القضاء: (موضع خلاف). العبادة الصحيحة عند المتكلمين هي الموافقة للشرع وإن لم تُسقط القضاء. وعند الفقهاء. ما أسقط القضاء. مثاله ← صلى ظاناً منه أنه على طهارة، ثم تبين بعد الإنتهاء عدم الطهارة: فعند المتكلمين صلاته صحيحة لأنه حين أداها كانت موافقة للشرع، أما عند الفقهاء فباطلة لأنها لم تسقط القضاء وعليه إعادتها.
وبصحة العقد ترتّب آثاره: بمعنى إن كان العقد صحيحاً ترتب آثره وإلا فلا. مثاله ← البيع الصحيح يترتب عليه إنتقال الملكية.
والعبادة: إجزاؤها: أي الأثر المترتب على العبادة الصحيحة هو الإجزاء. (سيذكر تباعاً وجهين للإجزاء في العبادة). أي كفايتها في سقوط التعبد: بمعنى براءة الذمة. (وهو الوجه الأول من الإجزاء في العبادة). وقيل إسقاط القضاء: بمعنى العبادة المجزئة هي ما أسقط القضاء (وهو الوجه الثاني).
ويختص الإجزاء: أي صحة العبادة. بالمطلوب: الذي هو كل من الواجب والمستحب. (لأن في كليهما طلب من الشارع)، وقيل: إشارة للخلاف في المسألة. بالواجب: أي أن الإجزاء خاص بالواجب دون المستحب. مثاله ← النفل لا يقال عنه مجزئ. صوماً كان أو صلاة أو غيرهما.
ويقابلها: الضمير يعود على الصحة. البطلان: بما أنه يقابل الصحة فهو إذاً مخالفة ذي الوجهين الشرع. وما لا يُسقط القضاء. وهو الفساد: يعني الترادف (أي أن الباطل والفاسد مترادفان). خلافاً لأبي حنيفة: فهو يفرق بينهما ولا يرى الترادف. فالباطل عنده منهي عنه لأصله ولا سبيل لتصحيحه. أما الفاسد فالمنهي عنه لوصفه وهو قابل للتصحيح.
مسائل: ① * جمهور الحنفية يفرقون بين البطلان والفساد في المعاملات دون العبادات والأنكحة. كما يقال عنهم ② * بن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر قال: الباطل والفاسد عندنا في العبادات مترادفان وفي عقد النكاح كذلك. وأما في البيع فمتباينان. ③ * الجمهور يرى ترادف البطلان والفساد. لكن يفرقون بينهما في مسألتين في الفقه ويرتبون على ذلك آثار. (النكاح + الحج). مثاله ← نكاح المحرم من النساء كالخامسة وأخت الزوجة. هذا باطل لا صحة له بوجه. أما نكاح الشغار، ففاسد يمكن تصحيحه بإثبات العوض والمهر. والحج يبطل بفوات الوقوف بعرفة. ويفسد لمن فعل شيئاً يمكن تكفيره والمضي في الحج. (ويلزم القضاء من عام قادم).
والأداء: هذا خاص بالعبادات التي قيدها الشرع بوقت محدد، فتخرج التي لم تُقيد. كبر الوالدين والنوافل... وكذلك المعاملات. فعل بعض: أي من أتى ببعض العبادة في وقتها فقد أدّى. وهو الراجح عند المؤلف. ويرى الجمهور أن "بعض" كركعة من الصلاة في الحد الأدنى. وقيل: مشيراً للخلاف. كل: وهو تعريف الأصوليين. أن الأداء كون العبادة كاملة داخل وقتها. ما دخل وقته قبل خروجه: أي ليس قبل دخول الوقت لأن هذا لا يعد أصلا عبادة. ولا بعد خروجه. لأنه حينها يكون قضاءاً لا أداءاً.
والمؤدى: ما فعل: كأنه يريد أن يميز بين الأداء والمؤدى، فالأداء الفعل والمؤدى المفعول. * وقيل رداً على بن الحاجب الذي عرف الأداء بقوله: ما فُعل في وقته. فينبهه أن هذا مؤدى لا أداء.
والوقت: وهو مدار كل من الأداء والقضاء والإعادة. الزمان المقدر له: الضمير يعود على الأداء. شرعاً: أي الشرع هو من حدد وقرر هذا الزمان. مطلقاً: أي سواء كان هذا الوقت موسعاً أو كان مضيقا.
والقضاء: فعل كل: احترازاً من بعض أو جزء. لأن فعل بعض أو جزء خارج الوقت يستلزم كون الباقي منه وقع داخل الوقت وهذا أداء لا قضاء. وقيل بعض: إشارة للخلاف. ما خرج وقت أدائه: أي خارج الوقت المحدد له. إستدراكاً: أي تصحيحاً لشيئ فاته. * (وما لم يكن استدراكاً لم يكن قضاءاً. مثاله ← كمن صلى صلاة صحيحة ثم أعادها خارج الوقت مع جماعة. فهذا ليس إستدراكاً ولا قضاءاً. لما سبق له: أي ما سبق من تعلق الفعل بذمة المكلف. مقتضى: أي إقتضاء الإيجاب أو الإستحباب. مطلقاً: أي. أيُّ سبب وقع من أجله إخراج العبادة عن وقتها (فإن هذا يسمى قضاءاً). سواءاً كان عمداً أو لسبب أو خطئ... * بن الحاجب: خصص القضاء فقط بالواجبات دون المستحبات. مقرراً مذهبه (المالكية).
والإعادة: فعله: الضمير يعود على العبادة. أي فعل بعض أو كل العبادة. ثانيا: (هذه أُسقطت من المتن ولا يستقيم التعريف إلا بها). والمعنى. إعادة العبادة المؤداة سابقاً مرة ثانية. في وقت الأداء: أي في وقتها. لا قبل الوقت ولا بعده. قيل لخلل. وقيل لعذر: أي لسبب يقتضي الإعادة. والخلل: ما خل بالإجزاء. فلا تُجزء العبادة وبالتالي تجب الإعادة. والعذر: ما يخل بالكمال. فتكون الإعادة مستحبة. فالصلاة المكررة معادة: يشير رحمه الله إلى خلاف لفظي في مسألة إعادة القضاء إذا فسد لسبب ما. * مسألة ← هل إعادة القضاء يسمى إعادة، علماً أن الإعادة تكون في وقت الأداء أما القضاء فيكون خارج وقت الأداء؟ (خلاف في المسألة).
والحكم الشرعي: مازال يتكلم عن الوضعي. وسيذكر قيوداً يُميّز بها بين الرخصة والعزيمة. إن تغير: يخرج ما بقي على أصل تشريعه ولم يتغير (القيد1). إلى سهولة: يخرج ما تغير إلى صعوبة أو مشقة. مثاله ← تحريم الصيد للمحرم + الحدود والتعازير.. (القيد2). لعذر: يخرج ما لم يكن لعذر، كأن يكون التغير أصلياً. (قيد3). مع قيام السبب للحكم الأصلي: أي بقاء موجب ومقتضى الحكم، فيخرج منه ما خُفف ورُفع من الأحكام وحل محله غيره. (وهو النسخ). (قيد4).
فرخصة: إذن الرخصة هي: تغير الحكم الشرعي إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي.
* سيشرع المؤلف في التمثيل للرخصة وذكر أحكامها. كأكل الميتة: واجباً: أي أن أكل الميتة الحرام يصير رخصة واجبة عند الإضطرار كتيقن الهلاك. والقصر: مندوباً: أي قصر الصلاة الرباعية للمسافر ندباً. (رخصة مندوبة). والسَّلم: مباحاً: أي بيع السلم رخصة مباحة مع كونه شُرع على خلاف الأصل، فصار مباحاً مع أن حكم الأصل فيه المنع. وفِطر مسافر لا يجهده الصوم: خلاف الأولى: أي أن المسافر الذي لا يشق عليه الصوم، رُخص له الفطر مع أن الأولى له الصوم. وإلا:
فعزيمة: أي ما تخلف فيه أحد القيود المذكورة فهو عزيمة.