صيغ العموم#
مسألة: أُختلف في العموم. هل له صيغ تختص به حقيقة أم لا؟ أربعة أقوال.
قال رحمه الله: كل والذي. والتي وأي وما ومتى وأين وحيثما: ذكر هذه الصيغ من باب التمثيل لا الحصر. ونحوها: أي هذه المذكورة وأخواتها هي ① للعموم حقيقة: تدل على العموم حقيقة. وهو قول الجمهور. (فلا تصرف للخصوص إلا بتأويل أو قرينة). مثاله قال تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه". ② قيل، للخصوص: تدل على الخصوص. وهو القدر الأقل. (فالعموم هو خصوص وزيادة). وتستعمل للعموم مجازاً. قالوا: لأنها جاءت للعموم والخصوص، والخصوص هو المتيقن فجُعلت له. مثاله. قال تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". خصوص. وقال تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين". عموم ③ وقيل: مشتركة: بما أنها تُستعمل لكليهما. فإنها تدل عليهما ومشتركة بينهما. أي وُضعت لكليهما حقيقة. ④ وقيل: بالوقف: لعدم اتضاح دلالتها على العموم أو الخصوص. توقف ولم يذهب فيهما مذهباً.
ومن صيغ العموم: الجمع المعرف باللام؛ مثاله "قد أفلح المؤمنون". فيخرج الجمع النكرة. مثاله مؤمنون. (لا يفيد العموم).
أوْ الإضافة: أي الجمع المضاف. مثاله "وعباد الرحمن" / عبيدي أحرار. هاتين الصيغتين يصطلح عليهما بالعام الكامل. قالوا: لكونه عاما بلفظه ومعناه. بخلاف المفرد المحلى. فهو عام بمعناه دون لفظه.
مثاله الإنسان. للعموم: أي: يفيد العموم. وهو قول
الجمهور والراجح. ما لم يتحقق عهد: ما لم يكن الجمع المحلى بأل والمضاف ينصرف إلى معهود. وإلا حُمل على المعهود للقرينة التي تصرفه إليه ولم يكن عاماً. مثاله جمع الملك الساسة وأكرم العلماء. فهذا يُحمل على المعهودين الذين هم أهل بلدته ومنطقته فقط. ولا يعم ويستغرق كل ذوي هذه الأوصاف.
خلافاً لأبي هاشم: الجبائي المعتزلي. مطلقاً: أي الجمع المحلى والمضاف لا يفيدان العموم مطلقاً. إنما تفيد الخصوص. لأن المراد منهما هو اسم الجنس لا الاستغراق. وهذا يصدق بأقل أفراد الجنس كالواحد. مثاله تزوجت النساء وملكت العبيد. لا يتبادر إلى ذهن أحد من المتكلم والسامع الاستغراق. وإنما المراد جنس النساء وجنس العبيد. وهذا يصدق في واحد. والواحد ليس عاماً. (والقول ضعيف). وإمام الحرمين: الجويني. إذا احتمل معهود: أي هي للعموم إلا إذا احتمل أن يكون للعهد. (مجرد احتمال). أوْ إذا تحقق كونه للعهد. فوافق الجمهور في التحقق وخالف في الاحتمال. * كأن قول أبي هاشم قوي عنده فاكتفى بمجرد الاحتمال لصرفه من العموم للخصوص.
والمفرد المحلى: أي المعرف بأل: مثاله الإنسان - السارق... مثله: أي: يُفيد العموم مثل الجمع المحلى والمضاف. خلافاً للإمام: الرازي مطلقاً: أي لا يفيد العموم مطلقاً وإنما هو للجنس. (كما قال أبو هاشم أنفاً). والفرق بين القول للجنس والقول للعموم. أن في الجنس يصدق على بعض الأفراد. وإذا أردت الاستغراق فلابد من قرينة. ولإمام الحرمين: أي. وخلافاً للإمام الحرمين الجويني. والغزالي: تلميذه. إذا لم يكن واحده بالتاء: بمعنى؛ أنهم يقسمون إسم الجنس قسمين. قسم يتميز واحده عن جنسه بالتاء فهذا يعم. مثاله التمور. التمر- تمرة / النخيل- نخل- نخلة. فالتمور والنخيل جمع معرف. هذا مرّ. والتمر والنخيل مفرد محلى وهو اسم جنس يفيد العموم لأن واحده تميز بتاء. تمرة نخلة. والقسم الثاني: الذي لم يتميز واحده عن جنسه بتاء. مثاله الماء- الذهب. فهذا بما أن واحده لم يتميز احتمل أن يُراد به اسم جنس للاستغراق أو فقط المفرد الواحد. وبالتالي لم يعم.
(لكن هذا لا يستقيم عند الاستعمال. أنظر حديث الأصناف الربوية).
زاد الغزالي: زاد على ما تميز واحده عن جنسه بالتاء. أو تميز بالوحدة: مثاله الدينار- الرجل. بحيث يصح أن يقال: دينار واحد، ورجل واحد. فهذا لا يعم. أما إذا لم يتميز بوصفه بالوحدة. مثاله الذهب- الماء. بحيث لا يقال: ذهب واحد. عمّ وكان للاستغراق. * لم يذكر المصنف مع المفرد المحلى المضاف كما فعل في الجمع. والصحيح أنه أيضاً للعموم. مثاله قال تعالى: "وليحذر الذين يخالفون عن أمره"، أي. كل أمره. أفاد العموم بالإضافة.
والنكرة في سياق النفي: هي من صيغ العموم. مفرداً كانت أو جمعاً. والمقصود بالنفي هو وما في معناه. كالنهي والشرط والاستفهام. مثاله "لا إله إلا الله" - "ألا تشركوا به شيئاً" - "وإن أحد من المشركين استجارك" - "فهل ترى لهم من باقية".
للعموم: هي للعموم. لكن هل تُفيده وضعاً. (دلالة المطابقة لغوية) أو لزوماً. (دلالة الالتزام عقلية). قال: وضعاً: بمعنى: أن اللفظ وُضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة. مثاله "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب": أي: لا فرض ولا نفل ولا صلاة ليل ولا نهار. فتشمل الكل بدلالة المطابقة. (وهو قول الجمهور). وقيل: لزوماً. بمعنى: النكرة في سياق النفي. يتوجه النفي فيها إلى لفظ مفرد مبهم. مثاله لا صلاة - لا نكاح. اقتضى نفي فرد مُبهم لزوم نفي جميع الأفراد بدلالة الالتزام. وعليه الشيخ الإمام، أي، دلالة الالتزام هو ما ذهب إليه والده وهو ما عليه الحنفية. نصاً إن بني على الفتح: وظاهراً إن لم يُبن. فقسم كون النكرة في سياق النفي تفيد العموم نصاً. (دلالة النص: وهو ما لا يدل إلا على معنى واحد. ولا يحتمل غيره). وظاهراً (دلالة الظاهر: وهو ما احتمل معنى فأكثر. وهو في أحدها أظهر). مثاله لا رجل في الدار - ما في الدار رجل.
* العموم المستفاد من الألفاظ سواء في منطوقها أو مفهومها يكون من طريق اللغة وهو الأكثر.
وقد يعمم اللفظ عرفاً: كما يستفاد أيضاً عرفاً. وهو العموم
العرفي. ومثل له بقوله: كالفحوى: والمراد مفهوم الموافقة (مساوٍ أو أولى). كقوله تعالى: "فلا تقل لهما أفٍ". يستفاد منه تحريم الضرب من باب أولى عرفاً. و: أي ومثل: "حرمت عليكم أمهاتكم": ظاهر اللفظ التحريم ينصرف إلى أعيان الأمهات. والمقصود بالنهي هو النكاح. فيعم كل مقدماته وما يتعلق به عرفاً. أو عقلاً: قد يُستفاد العموم من الألفاظ أيضاً عقلاً. مثاله كترتيب الحكم على الوصف: أي ترتيب الحكم على العلة. كلما وُجدت العلة وُجد الحكم. مثاله قال تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا..". علق الحكم بوصف السرقة كلما وُجد الوصف لحق الحكم. فكانت استفادة العموم هنا عقلية. وك: أي، ومثل: مفهوم المخالفة: وهو إعطاء المسكوت عنه نقيض حكم المذكور (المنطوق). فيستفاد منه العموم أيضاً عقلاً. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم الزكاة". فيستفاد بمفهوم المخالفة انتفاءها في غير السائمة. بالعموم العقلي.
والخلاف في أنه لا عموم له لفظي: أي: والخلاف في أن المفهوم (موافقة ومخالفة). لا عموم له. هذا خلاف لفظي. بمعنى: إذا قلت: لقد قررنا أن العموم من عوارض الألفاظ. والمفهوم معنى وليس لفظ. أجاب: أن الخلاف في جريان العموم فيه من عدمه. هو خلاف لفظي لأنهم متفقون على حجية المفهوم.
وفي أن الفحوى بالعرف والمخالفة بالعقل تقدم: أي. والخلاف الذي يخص دلالة الفحوى بالعرف، ودلالة المخالفة بالعقل تقدم ذكره في باب مفهومي الموافقة والمخالفة. (وقد رجح أن دلالة الموافقة لفظية، ودلالة المخالفة عقلية). فما نص عليه المصنف هنا. هو على قول. فلا تتوهم قطع الخلاف عما سبق.
ومعيار العموم الاستثناء: أي. علامته وميزانه الذي يكتشف به العموم في الألفاظ هو صحة دخول الاستثناء. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين.."