تلخيص جمع الجوامع

الآية · الحديث · المصنِّف · الشارح · مثاله · مسألة / حكمه

تحميل PDF

مباحث النهي.

النهي: عرفه في شقين. الأول هو ما اقتصر عليه الكثير من الأصوليين وهو: إقتضاء كف عن فعل: أي كل قول فُهم من دلالته الكف والتوقف عن الفعل فهو نهي. ويُتقدم بأداة النهي (لا). والنهي لفظي. لا نفسي كما تقرره الأشاعرة والماتوريدية. مثاله "لا تأكلوا الربا". والشق الثاني، لا بقول كف: وكان عليه أن يقول ومافي معناه. كدَع - ذر - حاذر - إياك. وقد أخرج كف وأخواتها من التعريف. لأنها أفعال أمر جاءت بصيغة الأمر وإن دلّت على الكف. لذلك جعلها ضمن دلالة الأمر لا النهي نظراً لصيغتها.

* تنبيه: سكوته عن العلو والاستعلاء هو ترجيح منه لعدم اشتراطهما في النهي.

* صيغة النهي: لا تفعل. لا ناهية بعدها فعل مضارع وله صيغ أخرى كالكف ومافي معناه وغيره.

وقضيته: أي: مقتضى النهي. قولان: ① الدوام مالم يقيد بالمرة: أن النهي يقتضي الاستمرارُ في الكف والترك والامتناع. إلا أن يقيد بمرّة فيحمل عليها. مثاله قولك: لا تصم. يقتضي الدوام. وقولك: لا تصم غداً: يحمل على المرة. فالمنع غداً فقط ② وقيل: مطلقاً: أي: النهي يقتضي الدوام مطلقاً. وإن جاء تقييد بالمرة. فيكون قرينة ويحمل عليها. فتكون النتيجة في القولين واحدة. والخلاف في تصوير المسألة فقط.

* فائدة: من أسباب تقديم النهي وترجيحه على الأمر عند التعارض. كونه يقتضي الدوام والفورية والتكرار. بخلاف الأمر.

وترد صيغته: أي. صيغة النهي وهي لا تفعل. للتحريم: وهو الأصل وعليه أكثر النصوص الشرعية. مثاله قال تعالى: "لا تقربوا الزنا".

* باقي المعاني تحتاج إلى قرائن لصرف النهي من التحريم إليها.

80

والكراهة: مثاله قال تعالى "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"،

والإرشاد: وهو ما كان النهي فيه عن شيئ فيه مصلحة دنيوية لا دينية. مثاله قال تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم".

بسماعهم ما يكرهون.

والدعاء: مثاله قال تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا".

وبيان العاقبة: مثاله قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل أحياء". والتقليل والاحتقار: مثاله قال تعالى: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به...". واليأس: مثاله قال تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم".

وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر: بمعنى: هل يشترط في النهي إرادته أم يحصل بصيغته ولفظه فقط؟ وهل صيغة النهي حقيقة في التحريم أم في الكراهة أم مشتركة؟ قال: يتخرج الخلاف هنا في النهي كالمتخرج هناك في الأمر. فترجع إليه لتقرر فيه.

ثم انتقل لذكر صور النهي في النصوص الشرعية وهي أربعة:

① وقد يكون عن واحد: عن منهي واحد. مثاله قال تعالى: "لا تقربوا الزنا".

② ومتعدد جمعا: أي. النهي عن أكثر من واحد حال الجمع فقط. مثاله قال تعالى: "وأن تجمعوا بين الأختين". (بحيث لا نهي عند الفصل). كالحرام المخير: مثل بهذا المثال. لكن بعض الأصوليين لا يرتضيه لما فيه من إشكال. ومثال الجمع بين الأختين أوضح. ③ وفرقاً: وهو عكس الذي سبق. أي. النهي عن أكثر من واحد حال الفرق والفصل بينهما. (ولا نهي عند الجمع). مثاله قوله: كالنعلين تلبسان أو تنزعان ولا يفرق: وذلك لما في الصحيحين. أن النهي في النعلين هو عند الفصل بينهما بلبس أحدهما ونزع الآخر. ولا نهي عند الجمع لبساً ونزعاً. ④ وجميعاً: أي. النهي عن متعدد في حالتي الجمع والفصل. مثاله كالزنا والسرقة: فالنهي عن الواحد منهما وكذا الجمع بينهما.

* سيتطرق الآن إلى مسائل في النهي. فهل النهي عن الشيئ يقتضي فساده؟ وهل هو فساد شرعي أو لغوي أم معنوي؟ وهل الفساد نفسه في العبادات والمعاملات أم يختلف؟ قال:

ومطلق نهي التحريم، وكذا التنزيه: إذا أريد النهي الذي جاء في النصوص الشرعية مطلقاً. سواء كان نهي تحريم أو تنزيه أو كراهة. فيخرج ما كان مقروناً بقرينة تدل على صحة أو فساد

81

المنهي عنه. فهذا واضح بالقرينة ولا خلاف فيه. أما الكلام فهو في النهي المطلق. (وهذا في العبادات لقوله بعده قليل فيما عدا المعاملات).

في الأظهر للفساد: إذن النهي المطلق (تحريم+تنزيه) يقتضي فساد العبادة ① شرعاً: أي. الفساد مستفاد من نصوص الشرع. فلا يكون هذا الحكم لغير نصوص الشرع ② وقيل: لغة: أي. هذا الفساد الذي يقتضيه النهي في نصوص الشرع مستفاد من اللغة. وبالتالي يشمل غير نصوص الشرع كالكلام. مثاله قول الوالد لولده: لا تفعل يقتضي فساد ما نهاه عنه. ③ وقيل معنى: أي. أن الفساد ليس مستفاد من لفظ وصيغة النهي، وإنما هو مقتضاه بالمعنى.

* خلاصة: النهي يقتضي الفساد في العبادات.

فيما عدا المعاملات: أخرج المعاملات وسيعود للتفصيل فيها. مطلقاً: النهي في العبادات يقتضي الفساد مطلقاً. مثاله من قضى فرضا أو نافلة فائتة في وقت منهي لم يصح. وفيها: (عاد الآن ليفصل في المعاملات). أي: وفي المعاملات كذلك النهي يقتضي الفساد لكن بقيود. ما هي؟ قال ① إن رجع: (جملة إعتراضية). معناه: إن رجع النهي إلى أمر داخل المعاملة اقتضى الفساد. مثاله النهي عن بيع الحمل في بطن أمه. يدل على الفساد. لأنه راجع إلى أمر داخل المعاملة.

② قال بن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل: أي: كذلك يقتضي الفساد. مثاله النهي عن بيع الطعام قبل قبضه. (بيع ما لا يملك). مع احتمال رجوعه إلى ملكه بالقبض. ③ أو لازم: يقتضي الفساد كذلك إذا كان النهي راجع إلى أمر لازم للمعاملة. (راجع إلى الوصف). مثاله النهي عن بيع الدرهم بدرهمين. فالنهي ليس راجعاً إلى أصل الدرهم وإنما إلى وصف لازم له وهو الزيادة. وفاقاً للأكثر: هذا ما عليه أكثر الفقهاء عدا أبا حنيفة. وقال الغزالي والإمام الرازي في العبادات فقط: أي: النهي يقتضي الفساد في العبادت فقط. أما المعاملات فالفساد فيها ليس راجعاً إلى النهي وإنما إلى الإخلال أو فوات شرط أو ركن منها. ④ فإن كان لخارج: إذا كان النهي راجع إلى أمر خارجي. لم يفد عند الأكثر: لا يقتضي فساداً. مثاله قوله: كالوضوء بمغصوب: فالماء المغصوب ليس من الوضوء وإنما خارج عنه.

* استشكال: الوضوء عبادة. والمصنف قرر قبل أن النهي في العبادة يقتضي الفساد مطلقاً. سواء كان راجعا إلى الأصل أو الوصف (خارج+داخل)

82

والتفصيل إنما كان في المعاملات، وفاقاً للأكثر. فكيف يخرج الآن عمّا قرره ؟؟؟

وقال أحمد: الإمام بن حنبل يفيد مطلقاً: أي. النهي يفيد الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات لأمر خارجي كان أو داخلي.

ولفظُهُ حقيقة: أي. أن حقيقة لفظ النهي تدل على الفساد في كل صورها. ثم استدرك فقال، وإن انتفى الفساد: أي. إن كانت هناك حالة جاء فيها النهي ولم تقتض فساداً. (صح العقد). قال، فلدليل: أي. هذا الفساد إنما دفعه الدليل. مثاله طلاق الحائض كما في حديث بن عمر لما طلق امرأته الحائض: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: "مره فليراجعها". فالطلاق في الحيض منهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفساد هذا الطلاق يعني عدم وقوعه لكن الدليل وهو قوله: "مره فليراجعها" رفع هذا الفساد فوقع الطلاق. إذ الرجعة فرع عما وقوع الطلاق.

وأبو حنيفة: لا يفيد مطلقاً: عكس مذهب أحمد. النهي لا يقتضي الفساد لا في العبادات ولا في المعاملات. خارجاً كان أو داخلاً. * ثم فصل وفرق بين ما هو منهي عنه لعينه وما هو منهي عنه لوصفه. إذ أن الأول يقتضي البطلان فلا يصح، والثاني الفساد فيصحح. قال: نعم، المنهي لعينه غير مشروع: أي، المنهي عنه لعينه هو غير مشروع أصلا. فلا يدخل تحت قاعدتنا عدم الفساد مطلقاً. وإنما هذا الفساد عرض للنهي فقط. قال، ففساده عرضي: أي. أصله صحيح لكن عرض الفساد للنهي. مثاله صوم وصلاة الحائض هو غير مشروع وباطل أصلا. ولا يتضمن فساداً وإنما الفساد عرض للنهي فقط (أي الفساد وُجد بوجود النهي).

ثم قال: والمنهي لوصفه يفيد الصحة: أي. المنهي عنه لوصفه يمكن تصحيحه فلا يقتضي حينها فساداً. مثاله بيع الدرهم بدرهمين يُصحح بوضع الزيادة. (بمعنى: لو لم يُفد صحة ما توجه النهي إليه. فلا تقول للأعمى لا يُبصر لأنه تحصيل حاصل. لكن تقوله لمن يصح منه الإبصار). (ثمرة هذا كله أن الفعل صحيح والإثم واقع لمخالفة النهي).

وقيل إن نفي عنه القبول: إذا جاء دليل شرعي ينفي القبول دل على الصحة. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". نفي القبول لا علاقة له بالصحة.

83

فالصلاة صحيحة (تبرأ الذمة). مع عدم الأجر والثواب. وقيل: بل النفي دليل الفساد: أي. إذا جاء دليل شرعي بنفي القبول دل على الفساد. مثاله نفس المثال السابق. والصلاة فاسدة وعليه الإعادة بعد الوضوء. ونفي الإجزاء كنفي القبول: بمعنى: إذا جاء دليل شرعي في مسألة بعدم الإجزاء ففيه نفس الخلاف الذي في نفي القبول. قيل الصحة وقيل الفساد. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "أربعة لا تجزئ في الأضاحي". فإن ضحى بواحدة قيل تجزئ وقيل لا. ثم قال، وقيل: أولى بالفساد: أي. أن تعبير الشارع بنفي الإجزاء هو أقوى من التعبير بنفي القبول. لماذا؟ لأنه أولى بالفساد من نفي القبول.