تلخيص جمع الجوامع

الآية · الحديث · المصنِّف · الشارح · مثاله · مسألة / حكمه

تحميل PDF

تعريف المجاز ومبحث وقوعه في اللغة.

49

المجاز: اللفظ المستعمل بوضع ثان: لأن الوضع الأول (الإبتداء) هو للحقيقة فلزم أن يكون المجاز في وضع ثان. لعلاقة؛ أي. لعلاقة بين الحقيقة والمجاز. مثاله ← العلاقة في الأسد حقيقة (حيوان مفترس)، ومجازاً (الرجل الشجاع). هي القوة والشجاعة..

فعُلم: أي عُلم من التعريف. ① وجوب سبق الوضع وهو اتفاق؛ أي. المجاز يستلزم وضعاً مسبقاً باتفاق. بمعنى: لا يجوز استعمال لفظ في معنى مجازي. إلا إذا كان له وضع في الحقيقة. مثاله ← لفظة البحر وضعت للمكان ذات المياه الكثيرة والأمواج العالية... في الحقيقة. إذا يجوز إستعماله مجازاً للكريم أو لذي العلم الغزير.

*سيتطرق للجواب عن سؤالين هما ① هل يلزم المجاز أن تكون له حقيقة موضوعة مسبقا؟ ② هل يلزم المجاز أن تكون له حقيقة مستعملة مسبقا؟ سيجيب في ٤ أقوال.

(* سؤال: وهل من لفظة استعملت مجازاً، لا وضع لها في الحقيقة؟).

② لا الإستعمال: المجاز لا يستلزم إستعمالا سابقاً في وضعه الحقيقي. مثاله ← الغائط. موضوع سابقاً في الحقيقة للمكان المنخفض لكن لا يستعمل له. وهو المختار: أي القولين السابقين هما المختارين عند المصنف.

③ قيل مطلقاً: المجاز يجوز إستعماله بدون سبق إستعمال في حقيقته مطلقاً. ④ والأصح لما عدا المصدر: أي الصحيح عند المصنف. جواز الإستعمال في غير المصدر كـ(عطشان. شبعان رحمان...). أما في المصدر فيشترط سبق الإستعمال.

وهو واقع: أي. مطلقاً في اللغة والشرع والعرف وهو ما رجحه. خلافاً للأستاذ: الإسفراييني. والفارسي: أبو علي النحوي صاحب الأمالي. مطلقاً: أي. لا يقع مطلقاً. والظاهرية في الكتاب والسنة: أي. خلافاً للظاهرية فلا يقع عندهم في الكتاب والسنة. ويقع في اللغة والعرف.

فوائد ←* من يقول بعدم وقوع المجاز. لا يرون المجاز أصلا. فعندهم كل الكلام هو حقيقة بحسب السياق الذي جاء فيه. فقوله تعالى "وسئل القرية". يدل من سياق الكلام أنهم أهل القرية. ليس مجازاً وإنما حقيقة...

* شيخ الإسلام وتلميذه بن القيم من نفاة المجاز ① يرون أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز. شيئ محدث من قبل المعتزلة

50

في القرن الثالث هجري. ولم يُعرف قبلهم. ② ثم إن العرب تعرف اللفظ من سياقه ③ ومن أقوى ما استدلوا به، أن المجاز جُعل باباً دخلت منه الفرق والطوائف لتأويل نصوص الوحيين في الصفات، وصرفها عن حقيقتها، وذلك لعدم قدرتهم ردّ النصوص. كقوله تعالى "بل يداه مبسوطتان" "لما خلقت بيدي"... فعمدوا الى التأويل من هذا الباب. * ويُنسب النفي أيضاً لابن حزم الظاهري وبن خويز منداد المالكي والأمين الشنقيطي...

(ص 297) كلام جميل في الجمع بين القول بالمجاز وعدم نفي أو تأويل الصفة:

*ثم شرع في الكلام مبيناً متى يُعدل ويُنتقل من الحقيقة للمجاز. قال:

وإنما يعدل إليه لثقل الحقيقة؛ بمعنى: إذا كان اللفظ في حقيقته ثقيلا صعب التلفظ به. تركه وانتقل للمجاز. مثاله ← الخنفقيق. هو اسم للداهية. لما كان ثقيلا تُرك وعُدل عنه إلى ماهو أخف. أو بشاعتها؛ مثاله ← الغائط. أو جهلها؛ إمّا عند المتكلم أو المخاطب. أو بلاغته؛ التعبير بالمجاز أبلغ منه بالحقيقة. مثاله ← فلان بحر أبلغ من قولك عالم. أو شهرته: يشتهر ويستعمل في المعنى المجازي أكثر من الحقيقي. مثاله ← الغائط. أو غير ذلك؛ مما يوجب العدول والإنتقال، فإن لم يوجب فالحقيقة أولى.

فائدة ← مؤولوا الصفات يعدلون من الحقيقة إلى المجاز بما يُسمونه، الإستحالة العقلية. لكن عند النظر. هذه الإستحالة العقلية ليست واردة ولا متجهة إلى حقيقة المعنى. وإنما إلى الكيفية. لذلك وإن أثبت المجاز. لم يجز لك العدول إليه في الصفات. لأن الإستحالة العقلية ليست سبباً للعدول. كونها متجهة للكيفية لا لحقيقة المعنى.

وليس غالباً على اللغات؛ أي. المجاز أقل من الحقيقة إستعمالا في اللغات. وهو قول الجمهور. خلافاً لإبن جنّي: تلميذ الفارسي صاحب الخصائص. يرى العكس. أي المجاز أكثر من الحقيقة في اللغة.

ولا معتمد حيث تستحيل الحقيقة؛ بمعنى: إذا أراد بكلامه المعنى المجازي. وكان المعنى الحقيقي فيه مستحيلا. فإن هذا المعنى المجازي يُلغى ولا يُعتبر ولا يُعتمد. مثاله ← قال لعبد الأكبر

51

منه سنّاً. أنت ابني. وأراد بذلك مجازاً عتقه. فبما أنه يستحيل أن يكون ابنه حقيقة، لكبر سنه. لم يُعتق. لأن المجاز هنا يُلغى ولا يُعتمد. خلافاً لأبي حنيفة: يرى أنه يُعتمد. وبالتالي يُعتق. (لكي لا يكون الكلام لغواً لا معنى له). وهذا صحيح في كلام الشرع غير لازم في كلام البشر.

*ثم انتقل رحمه الله لترتيب كل من: المجاز والنقل والحقيقة والإشتراك والإضمار والتخصيص بحسب الأولوية. فقال:

وهو؛ أي المجاز. والنقل: مرّ ذِكره في الخلاف في الحقيقة الشرعية (نقل اللفظ من حقيقته اللغوية إلى الشرع). خلاف الأصل؛ أي الحقيقة. بمعنى: المجاز والنقل خلاف الحقيقة.

وأولى من الإشتراك؛ المجاز والنقل أولى من الإشتراك عند التعارض قيل؛ فيه دلالة على الخلاف. من الإضمار: المجاز والنقل أولى من الإضمار. وبسبب الخلاف الذي في الإضمار سبق الإشتراك. والتخصيص أولى منهما؛ التخصيص أولى من المجاز والنقل. فيكون الترتيب كالتالي: الحقيقة، التخصيص، المجاز، الإضمار، النقل، الإشتراك. وأضافوا النسخ (وهذا تظهر ثمرته عند التعارض فيعتبر للترجيح).

* حتى يكون المجاز صحيحاً. لا بد من علاقة بينه وبين الحقيقة. (لكي لا يطلق أي لفظ على أي معنى كان). سيذكر الآن أنواع هذه العلاقة. قال:

وقد يكون بالشكل أو صفة ظاهرة؛ تسمى علاقة المشابهة. بمعنى: العلاقة بين الحقيقة والمجاز. إمّا شبه في الشكل أو في صفة ظاهرة خرجت الصفة الخفية ( ). أمثلة ← تسمية صورة الأسد المنقوشة على جدار أسداً. لأن شكلها يشبه الأسد حقيقة / وصف الرجل الشجاع أسداً. لأن فيه صفة ظاهرة وهي الشجاعة والقوة كما في الأسد حقيقة.

أو باعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً لا إحتمالا؛ علاقة الإستعداد. بمعنى: وصف الشيئ بما هو مستعد له بما سيؤول إليه قطعاً أو ظنّاً. أما الإحتمال فلا لكونه أدنى وأقل من الظن. أمثلة ← قال تعالى "إنك ميت". وصفه بالموت وهو حي. لكونه سيموت قطعاً / قال تعالى "إني أراني أعصر خمراً" ظن ذلك وقد حصل تأويله. وبالضد؛ علاقة المضادة / المقابلة. بمعنى: تسمية الشيئ بضده. مثاله ← قال تعالى "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه". فسمى الدفاع عن النفس الذي هو حق بضده الذي هو الإعتداء. والمجاورة؛ علاقة المجاورة. بمعنى: تسمية

52

الشيئ بما جاوره. مثاله ← تسمية القربة راوية وهي الدابة التي يُستقى عليها.

والزيادة؛ علاقة الزيادة. مثاله ← قال تعالى: "ليس كمثله شيئ" قالوا: الكاف زائدة للتأكيد. والمعنى ليس مثله شيئ. إذ لو كانت أصلية لكان المعنى. ليس مثل مثله شيئ. وهذا فيه إثبات المثل وهو غير ممكن. والنقصان؛ علاقة النقصان. مثاله ← قال تعالى: "واسأل القرية". أي أهلها. وكذلك في كل مضمر. والسبب للمسبب؛ علاقة السببية. تكون بإطلاق السبب على المسبب والعكس. أمثلة ← قال تعالى "قد أنزلنا عليكم لباساً". ذكر المسبب (اللباس)، وأراد السبب الذي هو المطر. فاخضرت الأرض فأكلت الدواب فخرج الصوف فاللباس. / قولك: رعينا الغيث. ذكر السبب الذي هو المطر وأراد المسبب. العشب.

والكل للبعض؛ العلاقة الكلية والجزئية. بمعنى: إطلاق الكل على البعض والعكس. أمثلة ← قال تعالى "يجعلون أصابعهم في آذانهم". أي أناملهم / قال: صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". والمتعلق للمتعلق؛ علاقة التعلق. مثاله ← خلقُ الله: مخلوقة لوجود معنى التعلق في المخلوق. بالعكوس؛ أي عكس الثلاثة السابقة. المسبب للسبب، البعض للكل. المتعلق للمتعلق. وقد مرت الأمثلة. وما بالفعل على ما بالقوة؛ أي. إطلاق ما يمكن أن يكون في الواقع حقيقة. وكذلك العكس. (ما بالقوة على ما بالفعل). مثاله ← تسمية الأعمى بصيراً والأخرس متكلما. لأنه يمكن أن يكون متكلما مبصراً. لكنه حقيقة بالفعل ليس كذلك. وتسمية الخمر في الدّنّ بالمسكر. فأطلق على ما هو حقيقة بالفعل (الخمر). ما هو فيه بالقوة (المسكر). قبل الإسكار.

* مثبتوا المجاز متفقون على أن المجاز يقع في المفردات (كأسد وحمار وقمر...). فهل المجاز واقع في الإسناد وفي الأفعال وفي الحروف وفي المشتق وفي الأعلام؟ قال:

وقد يكون؛ أي. المجاز. في الإسناد خلافاً لقوم؛ ذكر الخلاف ورجح كون المجاز في الإسناد. أي في التركيب لا المفردات. مثاله ← قال تعالى "وأخرجت الأرض أثقالها". أسند الإخراج للأرض مجازاً. والمخرج حقيقة هو الله.

53

وفي الأفعال؛ أي. قد يكون المجاز في الأفعال. فيعبر بالمستقبل للماضي والعكس. مثاله ← قال تعالى "ونادى أصحاب الجنة". فعبر بالماضي. والنداء يكون مستقبلا يوم القيامة. والحروف؛ قد يكون المجاز في الحروف. مثاله ← قال تعالى "ولأصلبنكم في جذوع النخل". في. ظرفية استعملت لغيرها مجازاً. وفاقاً لإبن عبد السلام؛ العز سلطان العلماء. والنقشواني؛ نجم الدين صاحب تلخيص المحصول. ومنع الإمام؛ منع الرازي كون المجاز في الحرف مطلقاً؛ لأن الحرف لا معنى له فهو بحسب ما اتصل وتعلق به. إن كان حقيقة أخذ على الحقيقة وإن كان مجازاً فكذلك.

والفعل والمشتق إلا بالتبع؛ أي. منع الرازي كون المجاز في الفعل والمشتق (كاسم الفاعل واسم المفعول...). إلا بالتبع الذي هو الأصل أو المصدر المشتق منه. فإن كان المصدر مجازاً. كان مجازاً. وإن كان حقيقة فهما كذلك.

ولا يكون في الأعلام؛ لا مجاز. لا أصالة ولا تبعية. لإنعدام العلاقة في الأعلام. فأسماء الأعلام لا معنى لها يتعلق بالأشخاص. زيد. عمرو... وبالتالي لا مجاز. *(وقال بعضهم بلى: فقولك جاءني قيس أو تميم وهو اسم علم مريداً طائفة منهم مجازاً. لما بين الطائفة والإسم من علاقة). خلافاً للغزالي في متلمح الصفة؛ أي. يكون المجاز في الأعلام الموضوعة للصفة دون غيرها. مثاله ← الأسود الحارث... فتقول. جاءني الأسود بن علان. أو الحارث بن فلان. فيهما صفتي اللون والحرث. لا كغيرها التي لم توضع إلا للفرق بين الأشخاص.

* ثم إن للمجاز علامات سبع يعرف بها، سيذكرها تباعاً رحمه الله قال:

① ويعرف بتبادر غيره لولا القرينة؛ من علامات المجاز أن الحقيقة هي المتبادرة إلى الذهن والفهم لولا القرينة الدالة على المجاز. مثاله ← رأيت أسداً. المتبادر هو الحيوان ويدل على كونه مجازاً القرينة لقوله عليه فرس (الرجل الشجاع). ② وصحة النفي؛ أي يقبل النفي خلاف الحقيقة. مثاله ← الحمار حقيقة لا يقبل النفي في قولك هذا ليس حمار. لكن مجازاً للبليد نعم.

(قولك للبليد أنت حمار يقبل النفي فيقول أنا لست حماراً لكن الحمار حقيقة لا).

54

*تنبيه: نفاة المجاز قالوا: بما أن المجاز يصح نفيه. فإذا أثبتناه جوزنا بذلك. نفي شيئ ثابت في الكتاب أو السنة.

③ عدم وجود الإطراد؛ المجاز لا يطرد. بمعنى: إن ثبت في محل فلا يلزم من ذلك ثبوته في محل آخر. مثاله ← إسأل القرية. أي أهلها. فلا تقول إسأل البساط، إسأل البيت... لا يطرد.

④ وجمعه على خلاف جمع الحقيقة؛ جمع مفرد الحقيقة خلاف جمع مفرد المجاز. مثاله ← الأمر حقيقة بمعنى القول يجمع على أوامر. ومجازاً بمعنى الفعل يجمع على أمور. ⑤ وبالتزام تقييده: يلزم تقييده حتى يكون مجازاً. مثاله ← كلمة جناح - حرب. هما حقيقة. إن أردتهما للمجاز لزمك التقييد فتقول. جناح الذل. نار الحرب... ⑥ وتوقفه على المسمى الآخر؛ أي. المسمى الحقيقي. ملفوظاً كان أو مقدراً. مثاله ← قال تعالى "ومكروا ومكر الله". فلا يُقال مكر إبتداءً / وقوله تعالى "قل الله أسرع مكراً". أي من مكرهم. ⑦ والإطلاق على المستحيل؛ بمعنى إن تُرك اللفظ على ظاهره وحقيقته كان المعنى مستحيلا. مثاله ← قال تعالى "واسأل القرية". تحتاج إلى تقدير خلاف الحقيقة.

والمختار اشتراط السمع في نوع المجاز؛ أي: يشترط في صحة المجاز أن يكون مسموعاً مأخوذاً من لغة العرب. لا أن يُحدث من شاء ما شاء ويقول أريد بهذا اللفظ المعنى المجازي.

وهذا فقط في الأنواع (نوع المجاز)، التي سبق ذكرها. أي باعتبار هذه الأنواع كالسبب للمسبب والبعض للكل والضد... وإن اختلفت المفردات. مثاله ← قولك إسأل الوادي: لا يحتاج إلى سماع في لغة العرب، لكن إلى نوع العلاقة وهي إطلاق السبب على المسبب.

وتوقف الآمدي؛ وهو كثير التوقف كما ترى.