ترجمة مختصرة للإمام تاج الدين السبكي:#
-هو عبد الوهاب بن علي تاج الدين السبكي، نسبة إلى سبك (بمصر) التي فيها وُلد سنة (727هـ) وقيل (728هـ)، بِبَيت علم وصلاح. أوتي أهله العلم رجالاً ونساءً. حيث شربت أُختاه من نفس الحوض الذي شرب منه هو وأخويه. هذا الحوض الذي سالت فيه ينابيع العلم. كالجد المحدث قاضي القضاة عبد الكافي (ت 735هـ)، والأب الشيخ الإمام علي تقي الدين السبكي قرين شيخ الإسلام بن تيمية ومعاصره.
فسار للتاج وإخوته شأن في شتّى ومختلف العلوم بل منهم من أصبح رأساً على بعضها.
تتلمذ الإمام التاج على الإمام التقي والده، كما أخذ من أعلام وفهم عصره كمحدث الشام الحافظ المزي (ت 742هـ) الذي كان يتردد عليه مرتين في الأسبوع. وتلميذ شيخ الإسلام بن تيمية الإمام الذهبي صاحب السير (ت 748هـ) الذي لازمه وكان يتردد عليه في اليوم مرتين. (ذكر ذلك السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (10/398)، وسمع من مسندة الشام زينب بنت الكمال (ت 749هـ) التي وصفها بن حجر بالشيخة وأنها روت الكثير وتزاحم عليها الطلبة. كما سمع رحمه الله من ابن سيد الناس والتوزري وغيرهم.
وقد خلّف رحمه الله عدداً من الأعلام الذين تتلمذوا عليه كثير.
تولى رحمه الله منصب القضاء والإفتاء والتدريس وغيرها، ثم فرّغ نفسه للتأليف والتصانيف التي قُرأت ودُرست عليه وانتشرت في حياته وبعد مماته. منها جمع الجوامع الذي بين يديك.
انتهت إليه الرياسة بالشام، ثم كانت المحنة حين أُبتلي أكثر من مرة وعُزل من منصب القضاء، فلما أظهره الله على خصومه عفا وصفح وعاد لمنصبه معززاً مكرما.
أسباب محنته يعتريها الغموض ولم تتبين. فقيل لأموال صرفت في غير محلها (الدرر الكامنة بن حجر. 2/462)، وقيل لتأليفه كتاب (معيد النعم ومبيد النقم)
الذي ينتقد فيه سياسة دولة المماليك. (مقدمة تشنيف المسامع ص20). وقيل. لمخالفته لشيخ الإسلام بن تيمية معتمدين في ذلك على أن الذي حكم بسجنه هو ابن قاضي الجبل من تلاميذ شيخ الإسلام (مقدمة عودة النعم بعد زوالها ص8 لأبي غدة). وقيل حسداً له وقيل غير ذلك. والصحيح في هذا غير معروفٍ لإحتمال هذه الأقوال وعدم استطاعة الجزم بصحتها بالمرة.
أصابه الطاعون فتوفاه الله سنة (771هـ) وعمره 43 سنة. بنى فيها وترك من الأعمال ما خلّد ذكره رحمه الله تعالى.
الكلام في المقدمات:#
أصول الفقه: دلائل (أدلة) الفقه الإجمالية. أي لا التفصيلية التي موضعها الفقه. وإنما قواعده التي يبنى عليها. وقيل معرفتها: أي معرفة دلائل الفقه الإجمالية.
الأصولي: العارف بها أي بالأصول. وبطرق إستفادتها. أي القدرة على الترجيح، ومستفيدها، المجتهد نفسه.
* وقد شبه الغزالي في المستصفى الأصول بالشجرة: فالمثمر الأدلة والثمرة الأحكام والإستثمار طرق الإستفادة والمستثمر المجتهد.
الفقه: العلم (قال بعضهم كان أولى أن يُعبّر بالمعرفة لظنية الإجتهاد وكون المجتهد يصيب ويخطئ. فأجاب أنه أراد الصناعة لا الثمرة). بالأحكام الشرعية. الصادرة من الشرع فتُخرج غيرها كاللغوية والعقلية. العملية. فتُخرج العقدية. المكتسب من أدلتها التفصيلية. أي لكل مسألة دليلها التفصيلي الجزئي.
الحكم: خطاب الله، من كتاب وسنة. المتعلّق بفعل المكلف. البالغ العاقل. من حيث إنه مكلف. أي أن يشمل هذا الخطاب تكليفاً بأمر أو نهي. (عكس الإخبار مثلا). * اكتفى في تعريف الحكم بهذا عن ذكر المألوف من الإقتضاء والتخيير والوضع. ومن ثم لا حكم إلا لله. كأنه يرد على المعتزلة لقولهم بقدرة العقل على إدراك الحكم الشرعي.
الحسن والقبح: (قسّمهما إلى ثلاثة أقسام. شرعيين وعقلي). ملائمة الطبع ومنافرته. ما يلائم الطبع كالعدل حسن، وما ينفر منه كالظلم قبيح. وصفة الكمال والنقص. كالعلم كمال فهو حسن، والجهل نقص فهو قبيح. عقلي. هذان القسمان يدرك العقل الحسن والقبح فيهما فهما عقليين. وترتب الذم عاجلا والعقاب آجلا. بمعنى الحكم على الحسن والقبيح بثواب أو عقاب. شرعي. لأن العقل لا يستطيع أن يعطي للشيئ حكماً شرعياً يترتب عليه ثواب أو عقاب إنطلاقاً من الحسن والقبح، وإنما هذا للشارع، فهو الحاكم بالثواب والعقاب. خلافاً للمعتزلة.
لأنهم يعتبرون القسم الثالث أيضاً عقلي، فهم يرون أن للعقل إستقلالاً وإدراكاً وقوة على إعطاء الأشياء حكماً شرعياً يترتب عليه ثواب أو عقاب بعد الحكم عليه بالحُسن أو القُبح.
وشكر المنعم: واجب بالشرع، عند الأشاعرة، لا بالعقل. كما عند المعتزلة. (والمنعم سبحانه يشكر عقلا وشرعاً).
أقسام الحكم الشرعي (التكليفي)#
ولا حكم قبل الشرع: أي قبل ورود الشريعة. بل الأمر موقوف إلى وروده. أي التوقف عن الحكم حتى يرد الشرع. (قيل لعدم وجود الحكم وقيل للجهل به). وحكّمت المعتزلة العقل. أي حَكَمت بالإباحة على الحسن وبالحضر على القبيح. فإن لم يقضِ. أي العقل بحيث تردد بين الحسن والقبيح. فثالثها لهم: أي القول الثالث. الوقف عن الحضر والإباحة. بمعنى التوقف فلا حضر ولا إباحة. * إعلم أن الحكم عند المعتزلة قبل ورود الشرع ثلاثة أقسام. إباحة للحسن وحضر للقبيح وتوقف عند التردد. وعند الأشاعرة التوقف حتى يرد الشرع.
والصحيح عدم الخوض في هذا لإنعدام ثمرته في أصول الفقه كما قال الشاطبي.
والصواب إمتناع تكليف. أي ارتفاع الإثم لا براءة الذمّة من المطلوب كالعبادة. الغافل. كالناسي والنائم، والملجأ. وهو المضطر أو المكره الذي لا إختيار له. وكذا المكره. الذي يبقى معه شيئ من الإختيار. على الصحيح. لوجود الإختلاف في ارتفاع التكليف عن المكره. (لكونه يملك شيئاً من الإختيار). ولو على القتل. لترجيح السبكي كون المكره على القتل غير مكلف. وأُثم القاتل لإيثاره نفسه. أي لا يأثم على القتل لامتناع التكليف عنه. لكن لتقديمه غيره للقتل على نفسه خلافاً للجمهور. (بل منهم من حكى الإجماع على تكليف المكره على القتل).
ويتعلّق الأمر الشرعي. بالمعدوم، أي الذي لم يخلق بعد. تعلّقاً معنوياً. جواباً على سؤال طرحه المعتزلة. (سيأتي). خلافاً للمعتزلة. المعتزلة نفوا صفة الكلام عن الله. فجاء الأشاعرة وأثبتوا لله
كلاماً نفسياً، فقال المعتزلة: كيف تعلقون أمراً بإثبات خطاب أو أمر أو نهي فيه طرف (الله). دون طرف (المعدوم)؟ فقال الأشاعرة. تعلقاً معنوياً. أي إن وُجد هذا المعدوم وأصبح مكلفاً تعلق به الأمر وإلا فلا.
* مذهب الأشاعرة: أن أمر الله ونهيه يتعلقان بالمكلف في الأزل على معنى أنه إذا وُجد بصفة التكليف سار مكلفاً بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر، وهذا مبني على إثبات الكلام النفسي. أما المعتزلة فخالفوا لأنهم أنكروا الكلام النفسي.
إيجاب: إقتضاء. طلب. الخطاب. الشارع. الفعل اقتضاءاً جازماً. الفعل على وجه الجزم والإلزام. مثاله ← الصلاة المفروضة.
الندب: اقتضاء الخطاب الفعل اقتضاءاً غير جازم. مثاله ← السنن الرواتب.
التحريم: اقتضاء الخطاب الترك اقتضاءاً جازماً. مثاله ← المحرمات كالقتل والزنى.
الكراهة: اقتضاء الخطاب الترك اقتضاءاً غير جازم (بنهي مخصوص) (أو مقصود). أي جاء بخصوصه دليل شرعي يخصه. مثاله ← ترك تحية المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه.
خلاف الأولى: اقتضاء الخطاب الترك اقتضاءاً غير جازم (بنهي غير مخصوص) (أي عام). ليس فيه دليلٌ نهي يخصه بعينه. مثاله ← ترك السنن الرواتب.
الإباحة: تخيير بين الفعل والترك. مثاله ← المباحات كاللباس والطعام.
أقسام الحكم الشرعي الوضعي.#
وإن ورد: أي خطاب الشرع. * هنا سيشرع في الكلام عن الحكم الوضعي. وقوله ورَدَ هو غيرُ الإقتضاء الذي مرّ في الحكم التكليفي، فالتكليفي يأتي الخطاب فيه مقتضياً لفعل أو ترك أو تخيير. والوضعي يرِدُ مقرراً لسبب أو شرط أو مانع. مسألة: الحكم الوضعي وضعته وقررته الشريعة. فهو حكم شرعي لحكمه بالصحة والفساد. لكن لمّا لم يُخاطب به المكلف سُمي وضعيا للتمييز بينه وبين التكليفي. سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً: الواو بمعنى أو للتخيير والتنويع لا المعية. وتعريف هذه الخمس سيأتي. فوضع: أي حكم شرعيا وضعي.
وقد عرفت حدودها: الضمير يعود على الحكم الشرعي التكليفي بأقسامه الستة، وتعريف كُل من الندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة مُضمن في تعريف الإيجاب ومنه يُستخرج.
والفرض والواجب: وقد عرفت حدّ الواجب. مترادفان: يتفقان في اللفظ على معنى واحد عند الجمهور. خلافاً لأبي حنيفة: الذي خالف الجمهور وقال بالمغايرة بين الفرض والواجب. * فالفرض عنده آكد في الثبوت والقوة وهو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب السقوط إذا ترك أثرا وهو ما ثبت بدليل ضني كحديث الآحاد. وهو لفظي: أي هذا النزاع مرجعه الإصطلاح لا يترتب عليه أثر.
والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة: لا فرق بينها. خلافاً لبعض أصحابنا: من الشافعية. كالقاضي حسين صاحب التعليق والبغوي صاحب تفسير البغوي. فهي عندهم متغايرة بعضها أقوا من بعض.
فالسنة ما واضب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، والمستحب ما فعله مرة أو مرتين ولم يواضب عليه، والتطوع ما ينشؤه الإنسان بنفسه من نفل مطلق.
ولا يجب: أي المندوب والمستحب. بالشروع: أي من شرع في مستحب لا يجب عليه إتمامه. (بمعنى لا ينقل المستحب إلى واجب عند الشروع فيه). هذا عند الجمهور. خلافاً لأبي حنيفة: الذي يرى وجوب المستحب بعد الشروع فيه * ومالك في المستحب الذي قُطع من غير عُذر.
* الإئتمام = صاحبين[؟] الإمام: من إئتم بإمام وجب عليه إتمامه لإئتمامه بإمامه ولو كانت صلاته باطلة.
ووجوب إتمام الحج: أي بعد البدئ فيه فرضاً كان أو نفلا وكذلك العمرة. باتفاق. * قال الشافعي: فإن وجب المضي في فاسده ففي الصحيح من تطوعه آكد وأوجب. (فيه تصرف). لأن نفله كفرضه نيةً وكفارة وغيرهما: أي ما يترتب على الفرض يترتب على النفل.
والسبب: ما يضاف الحكم إليه: أي ما ينسب إليه. للتعلّق به: يعني السبب. أي تعلق الحكم بالسبب. من حيث إنه معرف للحكم: أي أن علاقة وارتباط
السبب بالحكم هو وجه التعريف بالحكم لا إيجابه. أو غيره: مشيراً إلى الخلاف. والشرط يأتي: سيأتي الحديث عنه في موضع آخر.
والمانع: الوصف الوجودي: لا العدمي. فمثلا: لا تقول المانع من وجوب الزكاة هو (عدم الغنى)، وإنما تقول الفقر أو الدين... * كذلك يخرج الشرط الذي يطلق عليه لفظ مانع تسامحاً. الظاهر: لا الخفي. المنضبط: لا يتخلف في إحدى أفراده. واعلم أن غير المنضبط لا يصلح أن يكون سبباً ولا مانعاً (كالمشقة). المعرف نقيض الحكم: أي ينقض الحكم. كالأبوة في القصاص: هذا مثال. فالأبوة مانعة لحكم القصاص عند الجمهور (أما عند أشهب ومالك. إذا أضجعه وذبحه قُتل به). (فصلوا في المسألة).
* كون الشيئ الواحد سبباً وشرطاً ومانعاً. مثال ← الإيمان سبب للثواب وشرط في صحة الصلاة ومانع من القصاص في قتل الكافر.
والصحة: موافقة: كل فعل عبادة كان أو معاملة. ذي الوجهين الشرع: أي الفعل الذي له وجهان. أحدهما يوافق الشرع والآخر يخالفه. مثاله ← البيع إن كان على الوجه الموافق للشرع وُصف بالصحة (وهو المراد هنا). وإن كان على الوجه المخالف وُصف بالفساد أو البطلان. فيخرج بقوله ذي الوجهين، ذا الوجه الواحد. مثاله ← الكفر. فليس له إلا وجه واحد وهو مخالف للشرع، إذ لا يوجد كفر موافق للشرع. وقيل: في العبادة إسقاط القضاء: (موضع خلاف). العبادة الصحيحة عند المتكلمين هي الموافقة للشرع وإن لم تُسقط القضاء. وعند الفقهاء. ما أسقط القضاء. مثاله ← صلى ظاناً منه أنه على طهارة، ثم تبين بعد الإنتهاء عدم الطهارة: فعند المتكلمين صلاته صحيحة لأنه حين أداها كانت موافقة للشرع، أما عند الفقهاء فباطلة لأنها لم تسقط القضاء وعليه إعادتها.
وبصحة العقد ترتّب آثاره: بمعنى إن كان العقد صحيحاً ترتب آثره وإلا فلا. مثاله ← البيع الصحيح يترتب عليه إنتقال الملكية.
والعبادة: إجزاؤها: أي الأثر المترتب على العبادة الصحيحة هو الإجزاء. (سيذكر تباعاً وجهين للإجزاء في العبادة). أي كفايتها في سقوط التعبد: بمعنى براءة الذمة. (وهو الوجه الأول من الإجزاء في العبادة). وقيل إسقاط القضاء: بمعنى العبادة المجزئة هي ما أسقط القضاء (وهو الوجه الثاني).
ويختص الإجزاء: أي صحة العبادة. بالمطلوب: الذي هو كل من الواجب والمستحب. (لأن في كليهما طلب من الشارع)، وقيل: إشارة للخلاف في المسألة. بالواجب: أي أن الإجزاء خاص بالواجب دون المستحب. مثاله ← النفل لا يقال عنه مجزئ. صوماً كان أو صلاة أو غيرهما.
ويقابلها: الضمير يعود على الصحة. البطلان: بما أنه يقابل الصحة فهو إذاً مخالفة ذي الوجهين الشرع. وما لا يُسقط القضاء. وهو الفساد: يعني الترادف (أي أن الباطل والفاسد مترادفان). خلافاً لأبي حنيفة: فهو يفرق بينهما ولا يرى الترادف. فالباطل عنده منهي عنه لأصله ولا سبيل لتصحيحه. أما الفاسد فالمنهي عنه لوصفه وهو قابل للتصحيح.
مسائل: ① * جمهور الحنفية يفرقون بين البطلان والفساد في المعاملات دون العبادات والأنكحة. كما يقال عنهم ② * بن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر قال: الباطل والفاسد عندنا في العبادات مترادفان وفي عقد النكاح كذلك. وأما في البيع فمتباينان. ③ * الجمهور يرى ترادف البطلان والفساد. لكن يفرقون بينهما في مسألتين في الفقه ويرتبون على ذلك آثار. (النكاح + الحج). مثاله ← نكاح المحرم من النساء كالخامسة وأخت الزوجة. هذا باطل لا صحة له بوجه. أما نكاح الشغار، ففاسد يمكن تصحيحه بإثبات العوض والمهر. والحج يبطل بفوات الوقوف بعرفة. ويفسد لمن فعل شيئاً يمكن تكفيره والمضي في الحج. (ويلزم القضاء من عام قادم).
والأداء: هذا خاص بالعبادات التي قيدها الشرع بوقت محدد، فتخرج التي لم تُقيد. كبر الوالدين والنوافل... وكذلك المعاملات. فعل بعض: أي من أتى ببعض العبادة في وقتها فقد أدّى. وهو الراجح عند المؤلف. ويرى الجمهور أن "بعض" كركعة من الصلاة في الحد الأدنى. وقيل: مشيراً للخلاف. كل: وهو تعريف الأصوليين. أن الأداء كون العبادة كاملة داخل وقتها. ما دخل وقته قبل خروجه: أي ليس قبل دخول الوقت لأن هذا لا يعد أصلا عبادة. ولا بعد خروجه. لأنه حينها يكون قضاءاً لا أداءاً.
والمؤدى: ما فعل: كأنه يريد أن يميز بين الأداء والمؤدى، فالأداء الفعل والمؤدى المفعول. * وقيل رداً على بن الحاجب الذي عرف الأداء بقوله: ما فُعل في وقته. فينبهه أن هذا مؤدى لا أداء.
والوقت: وهو مدار كل من الأداء والقضاء والإعادة. الزمان المقدر له: الضمير يعود على الأداء. شرعاً: أي الشرع هو من حدد وقرر هذا الزمان. مطلقاً: أي سواء كان هذا الوقت موسعاً أو كان مضيقا.
والقضاء: فعل كل: احترازاً من بعض أو جزء. لأن فعل بعض أو جزء خارج الوقت يستلزم كون الباقي منه وقع داخل الوقت وهذا أداء لا قضاء. وقيل بعض: إشارة للخلاف. ما خرج وقت أدائه: أي خارج الوقت المحدد له. إستدراكاً: أي تصحيحاً لشيئ فاته. * (وما لم يكن استدراكاً لم يكن قضاءاً. مثاله ← كمن صلى صلاة صحيحة ثم أعادها خارج الوقت مع جماعة. فهذا ليس إستدراكاً ولا قضاءاً. لما سبق له: أي ما سبق من تعلق الفعل بذمة المكلف. مقتضى: أي إقتضاء الإيجاب أو الإستحباب. مطلقاً: أي. أيُّ سبب وقع من أجله إخراج العبادة عن وقتها (فإن هذا يسمى قضاءاً). سواءاً كان عمداً أو لسبب أو خطئ... * بن الحاجب: خصص القضاء فقط بالواجبات دون المستحبات. مقرراً مذهبه (المالكية).
والإعادة: فعله: الضمير يعود على العبادة. أي فعل بعض أو كل العبادة. ثانيا: (هذه أُسقطت من المتن ولا يستقيم التعريف إلا بها). والمعنى. إعادة العبادة المؤداة سابقاً مرة ثانية. في وقت الأداء: أي في وقتها. لا قبل الوقت ولا بعده. قيل لخلل. وقيل لعذر: أي لسبب يقتضي الإعادة. والخلل: ما خل بالإجزاء. فلا تُجزء العبادة وبالتالي تجب الإعادة. والعذر: ما يخل بالكمال. فتكون الإعادة مستحبة. فالصلاة المكررة معادة: يشير رحمه الله إلى خلاف لفظي في مسألة إعادة القضاء إذا فسد لسبب ما. * مسألة ← هل إعادة القضاء يسمى إعادة، علماً أن الإعادة تكون في وقت الأداء أما القضاء فيكون خارج وقت الأداء؟ (خلاف في المسألة).
والحكم الشرعي: مازال يتكلم عن الوضعي. وسيذكر قيوداً يُميّز بها بين الرخصة والعزيمة. إن تغير: يخرج ما بقي على أصل تشريعه ولم يتغير (القيد1). إلى سهولة: يخرج ما تغير إلى صعوبة أو مشقة. مثاله ← تحريم الصيد للمحرم + الحدود والتعازير.. (القيد2). لعذر: يخرج ما لم يكن لعذر، كأن يكون التغير أصلياً. (قيد3). مع قيام السبب للحكم الأصلي: أي بقاء موجب ومقتضى الحكم، فيخرج منه ما خُفف ورُفع من الأحكام وحل محله غيره. (وهو النسخ). (قيد4).
فرخصة: إذن الرخصة هي: تغير الحكم الشرعي إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي.
* سيشرع المؤلف في التمثيل للرخصة وذكر أحكامها. كأكل الميتة: واجباً: أي أن أكل الميتة الحرام يصير رخصة واجبة عند الإضطرار كتيقن الهلاك. والقصر: مندوباً: أي قصر الصلاة الرباعية للمسافر ندباً. (رخصة مندوبة). والسَّلم: مباحاً: أي بيع السلم رخصة مباحة مع كونه شُرع على خلاف الأصل، فصار مباحاً مع أن حكم الأصل فيه المنع. وفِطر مسافر لا يجهده الصوم: خلاف الأولى: أي أن المسافر الذي لا يشق عليه الصوم، رُخص له الفطر مع أن الأولى له الصوم. وإلا:
فعزيمة: أي ما تخلف فيه أحد القيود المذكورة فهو عزيمة.
تعريفات: الدليل، الحد، الكلام، النظر.#
والدليل: ما يمكن التوصل: أي الذي يقودك. بصحيح النظر فيه: يخرج فاسد النظر إذا نظر في الدليل ولم يوصله إلى المطلوب. إلى مطلوب خبري: أي حكم شرعي. إثباتاً كان أو نفياً. قطعياً كان أو ضنياً. واختلف أئمتنا هل العلم عقيبه مكتسب: الضمير في عقيبه يعود على الدليل، أي (عقيب الدليل). ومعنى الكلام. إذا أتيت بالدليل وتوصلت بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. (علم + ضن)، فهل هذا العلم الذي توصلت إليه ضروري. أي يحصل عندك تلقائياً لا تملك دفعه. أم هو مكتسب أنت من إختار حصوله. لك قبوله أو رده. (قال فيه خلاف).
والحد: (التعريف). الجامع: أي الشامل جميع أفراد المحدود أو المعرف. المانع: من دخول غيره فيه. ويقال. المطرد: وهو المستمر. أي كلما وُجد الحد وُجد المحدود. (ويقابل المانع). المنعكس: وهو عكس المطرد. أي كلما انتفى الحد. انتفى المحدود. (ويقابل الجامع).
والكلام في الأزل: أي الكلام النفسي قبل خلق الخلق كما في عقيدة الأشاعرة. قيل لا يسمى خطاباً: لعدم وجود مخاطب به. وقيل لا يتنوع: أي تنوع صفات الكلام من خبر وأمر ونهي. لإنعدام من تتعلق به هذه الصفات. (وهذا خلاف ما استقرت عليه عقيدة السلف).
والنظر: الفكر: وهو تحريك النفس أو الذهن في المعقولات. المؤدي إلى علم أو ضن: أي الموصل إلى نتيجة. فيخرج الغير موصل كحديث النفس.
تعريفات: الإدراك، التصور والتصديق، العلم والجهل والسهو.#
والإدراك: وهو وصول الذهن أو النفس إلى تمام المعنى أو النتيجة. وهو قسمان: بلا حكم تصور، وبحكم تصديق.
تصور: أو الإدراك التصوري، وهو الإدراك بلا حكم. بمعنى وصول الذهن إلى نتائج، هي مجرد مفردات لا أحكام فيها. وينقسم إلى (بديهي): وهو الذي يكون إدراك المعنى فيه بداهة دون تفكير ونظر. (وضروري): يحصل بالتأمل والنظر.
تصديق: أو الإدراك التصديقي، وهو الإدراك بحكم. بمعنى وصول الذهن لنتائج تتعلق بأحكام. وهو كذلك (بديهي). و(ضروري).
* وجازمه: الضمير يعود على الإدراك بحكم الذي هو التصديق. وهو قسمان. جازم، وغير جازم.
I- جازمه: سيذكر أنواع الإدراك الجازم التصديقي. (بحكم).
1 علمٌ: وهو الإدراك التصديقي الجازم الذي لا يقبل التغير. (أما حد العلم فسيأتي).
2 إعتقاد صحيح: وهو الإدراك التصديقي الجازم القابل للتغير. إن طابق الواقع.
3 إعتقاد فاسد: وهو الإدراك التصديقي الجازم القابل للتغير إن لم يطابق الواقع.
II- وغير الجازم: سيذكر أنواع الإدراك التصديقي الغير جازم.
1 ضن: وهو الراجح من أمرين.
2 وهم: وهو المرجوح من أمرين.
3 شك: وهو تساوي الأمران بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر.
والعلم: أي تعريف العلم وحده. قال الإمام: الرازي في المحصول. ضروري: أي بديهي واضح لا يحتاج تعريفاً. ثم قال: أي الرازي. هو حكم الذهن الجازم: فخرج الضن والشك والوهم. المطابق: فخرج الغير مطابق الذي هو الإعتقاد الفاسد. (الجهل). لموجب: (من حس أو ضرورة أو عادة) خرج التقليد. (العين[؟] الجامع[؟]). مسألة ← الراجح عند الرازي هو أن العلم ضروري، أما هذا التعريف الذي أورده فإنما هو من تعريفات الأصوليين للعلم. فلا تناقض. وقيل ضروري فلا يحد: هذا من كلام المصنف. وقال إمام الحرمين: الجويني. عسر: صعب حدّه. ثم قال المصنف. فالرأي الإمساك عن تعريفه: فانتهى إلى ما رجحه
الباقلاني والغزالي، وهو الإمساك عن تعريف العلم.
ثم قال المحققون، لا يتفاوت: أي أن العلم من حيث هو واحد. فلا علم أجل من علم. (والأكثرون على أنه يتفاوت). إنما التفاوت بكثرة المتعلقات: أي باعتبار مسائل أخرى متعلقة بالعلم. مثاله ← تفاوت الناس في العلم بوجود الله. مبني على التفاوت في معرفة الله. بمعنى كلما زادت معرفتك بالله زاد علمك بوجوده عن غيرك. فالتفاوت إذن ليس في العلم نفسه وإنما بالمتعلقات.
والجهل: وهو مقابل العلم لذلك أورده. وهو نوعان: إنتفاء العلم بالمقصود: وهو الجهل البسيط. وقيل تصور المعلوم على خلاف هيئته: وهو الجهل المركب. مركب من جهل الحقيقة، وضن الخطأ صواباً.
والسهو: وهو مرتبة بين العلم والجهل. وفي اللغة نسيان الشيئ والغفلة عنه، ومنهم من فرق بينه وبين النسيان فجعل السهو. لما يقرب ذكره ويُنبّه صاحبه بأدنى شيئ، والنسيان لما يبعد. الذهول عن المعلوم: خرج الذهول عن غير المعلوم. لأنه جهل لا سهو.
مسألة: سيتكلم عن الأحكام الشرعية الخمسة وسيقسمها إلى حسن وقبيح.
الحسن: المأذون: أي الحسن الشرعي هو ما أذن الشرع به. واجباً: فيه إذنٌ وطلب وإلزام. ومندوباً: فيه إذن وطلب. ومباحاً: فيه إذن مجرد. قيل: لا تعطف ما سيذكره على المأذون لأنه ليس منه. وفعل غير المكلف: كالصبي والساهي والبهيمة. هذا بما أنه ليس من القبيح، فهو إذن من الحسن وإن لم يؤذن فيه.
* لذلك قالوا: أن تعريف البيضاوي وغيره أدق. قالوا: الحسن: (ما لم يُنه عنه). فدخل فعل غير المكلف، لأن كل ما كان في دائرة النهي فهو قبيح، وكل ما خرج منها فهو حسن. وفعل غير المكلف لا نهي فيه.
والقبيح: أي القبيح الشرعي. المنهي: أي كل منهي. كان النهي فيه مخصوصاً كالحرام والمكروه، أو غير مخصوص (عام) كخلاف الأولى. ولو بالعموم، أي ولو كان النهي فيه عاماً وهو خلاف الأولى. فدخل خلاف الأولى: إذا كان خلاف الأولى عنده قبيحاً، فالمكروه والحرام من باب أولى.
وقال إمام الحرمين: الجويني. ليس المكروه قبيحاً: أخرجه من دائرة القبيح باعتبار أن صاحبه لم يقع فيما يستوجب القبح والذم شرعاً. ولا حسناً: أخرجه من دائرة الحسن لأنه لا إذن فيه.
- المصنف أدخل فعل غير المكلف في الحسن مع أنه لا إذن فيه ؟؟
- إذا كان هذا قوله في المكروه فماذا سيقول عن خلاف الأولى ؟؟
هل جائز الترك واجب أم لا؟ وهل المندوب مأمور به؟#
مسألة: جائز الترك ليس بواجب: لأنه إن وُصف بالوجوب ناقض حقيقة الوجوب التي هي الإلزام وعدم جواز الترك. (وهذا هو الفرق بينه وبين المستحب). وقال أكثر الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر: أي يجب الصوم عليهم جميعاً. وقيل المسافر دونهما: أي يجب على المسافر فقط دون الحائض والمريض. فإن قلت كيف يقول يجب مع أنه يجوز لهم ترك الصوم؟؟. وقال الإمام: الرازي. عليه أحد الشهرين: بمعنى أن جواز الترك ليس مطلقاً. والوجوب باقٍ، لأنه عليه أحد الشهرين. إما رمضان وإما شهر آخر وجوباً. (القضاء). وهو قوله تعالى: «فعدة من أيام أخر» والخلف لفظي: لا يترتب عليه شيئ.
وفي كون المندوب مأموراً به خلاف: اكتفى رحمه الله بنقل الخلاف في المندوب هل هو مأمورٌ به أو ليس مأموراً به، دون أن يرجح. * والأكثر على أن المندوب مأمور به. لأنه فيه أمر بالفعل من غير إلزام. والأصح ليس: أي المندوب. مكلفاً به: يطوي الخلاف رحمه الله ويرجح كون المندوب ليس بتكليف، مخالفاً قول الجمهور أن المندوب من أقسام التكليف. لأنه فيه طلب الفعل بغير جزم.
* إذنْ المندوب من ناحية الأمر مأمور به، ومن ناحية التكليف هو من أقسام التكليف. وكذا المباح: أي المباح ليس مكلفاً به. (فهو لا طلب فيه ولا أمر بفعل ولا ترك). لذلك أخرجه بعض الأصوليين من الحكم الشرعي التكليفي. لكونه لا تكليف فيه.
تعريف التكليف، مسائل تتعلق بالمباح.#
التكليف ومن ثم سَيُشير إلى أن الخلاف في التكليف في المندوب والمباح: مبني على حقيقة التكليف. كان التكليف: أي تعريفه: إلزام ما فيه كلفةٌ: وهو قول الجمهور، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً بهما. لا طلبه: أي ليس التكليف هو طلب ما فيه كُلفة.
خلافاً للقاضي: الباقلاني: وهو من قال التكليف هو طلب ما فيه كلفة. فيكون المندوب والمباح مكلفاً بهما عنده.
والأصح: أي في المسألة أكثر من قول. أن المباح ليس بجنس للواجب: أي أن المباح لا يدخل تحت أنواع الواجب. لأن المباح تخيير بين الفعل والترك، فيخالف الواجب في الترك. وبالتالي هو ليس من جنسه. وأنه غير مأمور به: أي الأصح أن المباح غير مأمور به. من حيث هو: أي من حيث المباح ذاته. بغض النظر عن كونه وسيلة إلى شيئ آخر غيره. فيأخذ حكمه. فيصبح مأموراً به أو منهيا عنه. والخلف لفظي: في كلتا المسألتين. وأن الإباحة حكم شرعي: أي أن الأصح أن الإباحة حكم ورد به الشرع. (لأن الإذن فيها مأخوذٌ من الشرع). * خلافاً للمعتزلة. قالوا هي حكم عقلي لكونها مأخوذة من التحسين والتقبيح العقليين.
وأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز: أي والأصح أن الحكم الواجب إذا نُسخ سار جائزاً. أي: سيُبيِّن معنى الجواز: عدم الحرج: بمعنى إنتفاء الحرج. (ويدخل في الجواز كل من المندوب والمباح والمكروه. ويخرج منه الحرام لأنه ليس بجائز والواجب لأنه هو المنسوخ). (فأي قرينة من هذه الثلاث قويت حُملت على الجواز). وقيل الإباحة: أي أن الواجب إذا نُسخ حُمل على الإباحة فقط. دون الأحكام الأخرى. وقيل الاستحباب: أي أن الواجب إذا نُسخ حُمل على الاستحباب. لأن نسخ الواجب يكون في القدر الأعلى منه الذي هو الإلزام. فيبقى الطلب من غير إلزام الذي هو الاستحباب.
* حمل الواجب بعد النسخ على الإباحة أو الاستحباب مرجوحان عند المصنف لقوله في الجواز والأصح.
الواجب المعين والواجب المخير. الحرام المعين والحرام المخير.#
مسألة: الأمر بواحد من أشياء: هذا هو الواجب المخير. وهو من أقسام الواجب عند الجمهور، مثاله الكفارات (يمين - أذى - صيد)، فدية صيام أو صدقة أو نسك. فتجب واحدة من الثلاث.
* وخالف المعتزلة فاعتبروا جعل الواجب المخير من أقسام الواجب تناقضاً. لأن الأصل في الواجب الإلزام أما التخيير فمحله الاستحباب.
مسألة مهمة: منبع الخلاف هو في الأشياء العدة، هل كلها واجبة؟ أم فقط واحد منها والباقي ليس بواجب؟ فإن كان كذلك فأيها الواجب؟. إليك أربعة أقوال ذكرها المصنف في هذه المسألة. (ورجح رحمه الله القول الأول). ① - يوجب واحداً لا بعينه: أي أن الواجب في الأشياء العدة هو واحد منها غير معين. (حكى القاضي أبو بكر إجماع السلف والفقهاء عليه) في المسودة (خلافاً للمعتزلة). ② - وقيل. الكل ويسقط بواحد: أي أن الواجب في الأشياء العدة هي كل الأشياء، لكن إذا أتى بواحد منها سقط الباقي. (ذكره بعض المعتزلة كأبي هشام). ③ - وقيل: الواجب معين: أي أن الواجب في الأشياء العدة معين عند الله تعالى دون المكلف. فإن وافقه المكلف أثناء فعله فقد أتى بالواجب، وإن أتى بغيره سقط عليه. فتبرأ ذمته في كلتا الحالتين. * وهذا هو المسمى (بقول التراجم) لرجم المعتزلة والأشاعرة به بعضهم بعضاً، وقد رفضت كل المذاهب تبنيه. وقال والد المصنف: (وعندي أنه لم يقل به قائل) ④ - وقيل: هو ما يختاره المكلف: أي أن الواجب في الأشياء العدة مُبهم، وأي شيئ فعله المكلف سار هو الواجب. فإن فعل الكل: أي أتى بالأشياء العدة كلها في آن واحد، دون ترتيب. فقيل الواجب أعلاها: تعلقاً بكرم الله. * أما إن فعلها مرتبة فيكون الأول منها هو الواجب، والباقي نفل مندوب. وإن تركها: أي كلها بحيث يكون ترك الواجب. يعاقب على أدناها: تعلقاً برحمة الله. ويجوز تحريم واحد لا بعينه: أي الحرام المخير مثاله من طلق إحدى زوجتيه دون تعيين، فإذا جامع إحداهما يكون بذلك إختار تحريم الأخرى. وكذلك عتق الأمة (أثبته الأشاعرة). خلافاً للمعتزلة وهي كالمخير: أي هذه المسألة عند المعتزلة هي كالواجب من حيث الخلاف. فتندرج تحتها كل الأقوال التي قيلت في الواجب المخير. وقيل لم ترد به اللغة: بمعنى. لا يصح لغة قول حرام يخير فيه. فإن لم ترد لغة لن تقع شرعاً.
فرض الكفاية وما يتعلق به.#
مسألة:
فرض الكفاية: وهو من أقسام الواجب. وهو: كل مهم (ديني) يُقصد حصوله: إذا وقفت هنا. شمل التعريف كلا من الوجوب العيني والكفائي. من غير نظر بالذات إلى فاعله: هنا خرج العيني الذي النظر فيه يكون إلى فاعله بعينه وبقي الكفائي الذي النظر فيه يكون إلى حصول الفعل. أما الفاعل فهو مقصود بالعرض لا الذات، إذ لابد للفعل من فاعل. وزعمه: الضمير يعود على الأفضلية. أي زعم أفضلية فرض الكفاية على فرض العين.
وزعمه الأستاذ: أبو إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين: الجويني. وأبوه: أبو محمد عبد الله بن يوسف من فقهاء الشافعية. أفضل من العين. أي كلهم يفضلون فرض الكفاية على فرض العين خلافاً للمصنف. (قيل لكون مصلحته أعم وصون فاعله الأمة عن الإثم). وهو على البعض: (* خلاف في فرض الكفاية، على من يجب؟ هل يجب ابتداءاً على البعض لا الكل. أم على الكل إن أداه البعض سقط على الباقي) وهو على البعض: بمعنى فرض الكفاية واجب على البعض لا الكل وهو ما رجّحه المصنف. وفاقاً للإمام: أي موافقاً بترجيحه للرازي. ومأخذهم قوله تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير» «فلولا نفر من كل فرقة». لا الكل: أي لا يرون وجوبه على الكل. خلافاً للشيخ الإمام: والده تقي الدين. والجمهور: إذ يرجحون وجوب فرض الكفاية على الكل. ومأخذهم كونه خوطب به الجميع.
والمختار: أي الراجح عنده. البعض: أي الوجوب على البعض لا الكل.
به: أي هو الذي يجب في حقه.
ويتعين بالشروع: أي يصبح فرض الكفاية فرض عيناً على من بدأ وشرع فيه، فلا يجوز له تركه والتراجع عنه. على الأصح: وهو الراجح عند المصنف أي التعين بالشروع، وقال آخرون. لا يتعين بالشروع. واستثنى بعضهم الجهاد والجنازة (لماذا؟).
وسنة الكفاية كفرضها: أي كل ما مرّ في فرض الكفاية يجري على سنة الكفاية. مثاله رد السلام من الجماعة على واحد - وتشميت العاطس.
الواجب الموسع وما يتعلق.#
مسألة: الأكثر: من الأصوليين والفقهاء وعليه الجمهور ① أن جميع وقت الظهر: مَثَّل بالظهر كي لا ينصرف العقل إلى النافلة. جوازاً: يخرج وقت الضرورة كوقت العصر للمسافر. ونحوه: من الواجبات الموسعة صلاة كانت أو غيرها. وقت لأدائه: أي. جميع وقت الواجب الموسع هو وقت لأدائه. ولا يجب على المؤخر العزم على الامتثال: لأنه وإن تأخر لا زال في وقت الأداء فلا يأثم (وإنما يأثم من عزم على الترك). خلافاً لقوم: ② يرون أن جميع وقت الواجب الموسع وقت لأدائه، لكن يُلزمون المكلف في ذلك الوقت بأحد أمرين، إما الأداء أو العزم. فيكون في كل وقته منشغلا بأحدهما (وهذا لا دليل عليه). وقيل الأول: ③ أي أن أول الوقت هو وقت الوجوب فإن أخّر فقضاء: بمعنى إن أداه في آخر وقت الواجب الموسع لم يكن هذا أداءاً بل صار قضاءاً. (وهذا لا يستقيم لأن القضاء كما هو معلوم يكون خارج وقت الأداء). وقيل الآخر: ④ أي الواجب هو آخر وقت الأداء. لأنه إن فاته ولم يؤدِّ أثم، خلاف الوقت الأول * هذا القول يُنسب إلى حنفية العراق. ويترتب عليه إشكال، أنه من صلى أو أدّى في أول الوقت أدّى خارج وقت الوجوب. لذلك قالوا بعدها محاولة لتفادي هذا الإشكال. فإن قدّم فتعجيل: أي من أدّى في أول الوقت فقد عجل. (كمن يعجل أداء الزكاة). والحنفية. ما اتصل به الأداء من الوقت، وإلا فالآخر: ⑤ أي أن وقت الوجوب هو وقت الأداء لمن أدّى، وآخر الوقت لمن لم يُؤد. والكرخي: الإمام أبو الحسن.
إن قدّم وقع واجباً بشرط بقائه مكلفاً: ⑥ بمعنى: من أدّى في أول الوقت وقع أداؤه واجباً شرط أن يبقى هو بعد الأداء مكلفاً إلى خروج وقت الأداء * (وهذا يسمى مذهب المراعات. أي مراعات حال المكلف).
* والصحيح: أن الوقت كله وقت وجوب.
ومن أخّر مع ظن الموت، أي أخّر أداء الواجب إلى آخر وقت الأداء وهو يغلب على ظنه أنه سيموت قبل الوقت الأخير للأداء. مثاله من حُكم عليه بالقصاص والتنفيذ يكون ساعة قبل خروج وقت الأداء. عصى: لضيق الواجب الموسع في حقه من أول وقت الأداء الشرعي إلى زمن ظنه الموت بدَلَ آخِر الوقت الشرعي. فلما أخّر الأداء إلى بعد وقت ظنه الموت عصى. فإن عاش وفعله، أي لم يمت ثم أدّى الواجب بعد آخر الوقت في حقه (لأن هذا الوقت هو كان يظن أنه سيكون فيه ميتاً). وقبل خروج الوقت الشرعي * فهل يكون فعله أداء أم قضاء؟. فالجمهور: أداء: لأنهم اعتبروا آخر الوقت الشرعي. وقال القاضيان. أبو بكر الباقلاني والحسين: المروزي. قضاء: لأنهم إعتبروا آخر الوقت في حقه.
ومن أخّر مع ظن السلامة: أي لم يكن في حسبانه حصول مانع أو طارف عن الأداء. ثم حصل ما منعه عن الأداء. فالصحيح: خلاف في المسألة. لا يعصي: حكى الغزالي إجماع السلف على أنه لا يموت عاصياً.
بخلاف ما وقته العمر كالحج: لأنه لا أحد يعرف متى آخر عمره فهو غير محدود. خلاف الصلاة. فوقتها يحدد بدخول الأخرى. ومنه فإن الحج لا يتفرّع عما سبق فيقال فيه بعدم الفور وجواز التأخير (مع الأخذ بالإعتبار خلاف المذاهب في هذه المسألة).
حكم ما لا يتم الواجب إلا به.#
مسألة: المقدور: الذي يقدر عليه المكلف فيخرج ما لا يقدر عليه. الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به: يخرج الواجب المقيد المتوقف على وجود سبب. مثاله (النصاب في وجوب الزكاة / الاستطاعة في وجوب الحج) واجب وفاقاً للأكثر: ① أي ما لا يتم الواجب إلا به هو واجب مطلقاً. وهو قول أكثر الأصوليين. ② * القول الثاني: ما لا يتم الواجب إلا به
ليس بواجب. وهو قول الأقلية. وثالثها: ③ أي القول الثالث. إن كان سبباً: أي أن ما لا يتم الواجب إلا به هو واجب إن كان سبباً. (والسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم). كالنار للإحراق: مثل به. فالإحراق لا يكون إلا مع وجود النار. وقال إمام الحرمين: ④ الجويني وهو القول الرابع: إن كان شرطا شرعيا: أي ما لا يتم الواجب إلا به هو واجب إن كان شرطا شرعيا. مثاله الطهارة للصلاة. لا عقليا: مثاله. ترك ضد الواجب لفعل الواجب. فبر الوالدين واجب يتحقق بترك ضده الذي هو العقوق. ولا عاديا: مثاله. قيل غسل جزء من الرأس مع الوجه شرط عادي.
فلو تعذر ترك المحرَّم إلا بترك غيره وجب: مثاله من إختلطت عنده شاتان إحداهما مذكاة والأخرى ميتة ولم يستطع التفريق بينهما. فلو تعذر عنده ترك الميتة إلا بترك غيرها المذكاة. وجب عليه تركهما. أو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا: مثاله عقد له الوكيل على امرأة لم يراها، ثم جيئ له بامرأتين على أن إحداهما زوجته حرمتا عليه. أو طلق معينة ثم نسيها: أي طلق معينة من إحدى زوجتيه ثم نسي أيهما طلق، حرمتا أيضاً.
هل يندرج المكروه تحت مطلق الأمر؟.#
مسألة: مطلق الأمر: أي الأمر المطلق. مثاله قال تعالى «وليطَّوفوا بالبيت العتيق» وقال «وأقيموا الصلاة» لا يتناول المكروه ① أي لا يستدل به على المكروه. (عند المؤلف وهو الصحيح). مثاله من أراد الطواف بغير وضوء أو الصلاة في أوقات النهي فلا يستدل بالأمر المطلق وإنما يبحث عن دليل آخر.
خلافاً للحنفية: ② عندهم أن الأمر المطلق يتناول المجزئ، أي ما أجزء من العبادة ولو مع الكراهة. فيدخل المكروه. فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة: وهو ما عليه الجمهور لما في ذلك من نهي. وإن كانت كراهة تنزيه على الصحيح: لأن كراهة التنزيه هي موضع الخلاف. فإن لم يتناولها الأمر المطلق فكراهة التحريم من باب أولى. بل اتفقوا على أن الأمر المطلق لا يتناول كراهة التحريم.
أما الواحد بالشخص: أي العبادة بعينها. كصلاة بعينها لا تأخذ إلا حكما واحداً
لا يمكن لهذا الحكم أن يختلف إلا بتعدد الجهة. فنقول: هذه العبادة أو الصلاة، من جهة كذا واجبة ومن جهة كذا حرام.
* (خلافاً للواحد بالنوع): الذي هو جنس العبادة بكل أنواعها. فيتعدد الحكم بتعدد الأنواع. مثاله جنس الصلاة تحته أنواع. واجبة - مستحبة - مكروهة... فيتعدد الحكم. كالصلاة في المغصوب: مثل للواحد بالشخص بالصلاة في المغصوب. فهي عبادة معينة لكن معتبرة من جهتين. فقال: له جهتان: بمعنى حالتان أو حكمان. فالصلاة في المغصوب هي واجبة باعتبار جهة أنها تجب في ذمة المكلف. ومحرمة بإعتبار جهة أن أقوالها وأفعالها وقعت في المغصوب. فالجمهور تصح ولا يُثاب: ① قول الجمهول صلاته صحيحة تجزئ وتبرئ الذمة لكن لا يثاب عليها. لكونها وقعت مخالفة للشرع. (وقعت من غاصب في مغصوب). وقيل يُثاب: ② وهو القول الثاني للجمهور بمعنى تبرأ الذمة ويحصل الثواب. أما الغاصب فيعاقب على الغصب لا بحرمان ثواب الصلاة.
والقاضي والإمام: أبو بكر الباقلاني والرازي. لا تصح: ③ أي كمن لم يصل. ويسقط الطلب عندها لا بها: أي يسقط التكليف عند هذه المعصية، للعذر الذي هو الغصب. لا بها: أي لا يسقط ابتداءاً بالحرام وإنما عنده. (احترازاً من جعل الحرام مُسقطاً للوجوب). مثاله وجوب الصلاة لا يسقط بالخمر وإنما عند شرب الخمر فتحرم على السكران.
وأحمد: الإمام بن حنبل. لا صحة ولا سقوط ④ أي صلاته باطلة ولا يسقط عنه القضاء فهو مطالب به إذا ترك الأرض المغصوبة.
حكم الخارج من المغصوب. حكم الساقط على الجريح فقتله.#
والخارج من المغصوب تائباً: أي ما حكم خطوات الغاصب التائب وهو يمشي ليخرج من الغصب؟ آتٍ بواجب. ① أي مشيه لإفراغ المغصوب واجب. وقال أبو هاشم: الجُبائي المعتزلي. بمحرم: ② أي مشيه حرام لكونه مازال يخطو في ملك غيره دون إذنه. وقال إمام الحرمين: الجويني. هو مرتبك في المعصية ③ أي لا زال مستمراً في المعصية. مع انقطاع تكليف النهي عنه:
أي مع ارتفاع النهي عنه لتوبته. * قال السبكي رحمه الله: وهو دقيق: أي كلام الجويني دقيق لجمعه بين الاستمرار في المعصية وارتفاع النهي. * وقد مثل الشاطبي لهذه الدقة في الموافقات. قال: إن متعاطي السبب قد يبقى عليه حكمه وإن رجع عن ذلك السبب أو تاب. كمن تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس وقبل وقوع السهم قاتلا...
والساقط على جريح يقتله إن استمر: بمعنى سقط أحدهم على صدر جريح وسط مجموعة من الجرحى دون إرادته. فإن إستمر على صدره قتله يقيناً. وكفؤه إن لم يستمر: أي يقتل غيره يقينا إذا انتقل إليه ولم يستمر على الأول. * فمذا يفعل. يستمر أم ينتقل؟. قيل يستمر: ① لكون الاستمرار مكث لا إنشاء لفعل جديد. وقيل يتخير ② لتساوي المفسدتين. وقال إمام الحرمين: الجويني. لا حكم فيه: ③ لا حكم لله تعالى في هذا. * الجويني يرى أنه لا تخلو واقعة من حكم شرعي لله. فلما ناقشه الغزالي تلميذه: قال الجويني: حكم الله الأحكم. فقال الغزالي. أنا لا أفهم هذا. وتوقف الغزالي ④
التكليف بما لا يُطاق.#
مسألة: يجوز التكليف بالمحال مطلقاً: ① هذا عند جمهور الأشاعرة. بمعنى أنه يجوز مطلقاً أن يُكلِّف الله عز وجل عباده بالمحال الذي لا يُطيقونه. (الجواز العقلي لا الشرعي). ودليلهم قوله تعالى «ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به». فقالوا لو لم يكن جائزاً عقلا ما سألوه أن يرفعه عنهم.
ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو الحسن الأشعري. وأبو حامد الإسفرايني والغزالي وابن دقيق العيد: ② أي منعوا جواز التكليف بالمحال مطلقاً. (فوافق بعض الأشاعرة المعتزلة كما ترى).
ما ليس ممتنعاً: وهو ممتنع عندهم وإلا ما منعوه. لتعلق العلم بعدم
وقوعه: أي لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه. (سبق في علم الله أنه لن يقع). ومعتزلة بغداد والآمدي المحال لذاته: ③، أي منعوا المحال لذاته وأجازوا المحال لغيره. * والمحال لذاته: عدم إمكانية حصول الشيئ لذاته عادة أو عقلا. مثاله أن يمشي الحجر أو يطير البشر. * والمحال لغيره: هو ما امتنع لسبب خارجي لا لذاته. مثاله إيمان أبي لهب وأبي جهل، وقوم نوح... قال تعالى «إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن...» ومع ذلك أمر بالاستمرار في الدعوة. فإيمانهم إذاً ممتنع لا لذاته وإنما لغيره. (لتعلق إرادة الله به). وإمام الحرمين: الجويني. كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب: ④ أي منع التكليف بالمحال الذي يأتي مطلوباً، لا الذي يأتي بصيغة الطلب. كقوله تعالى «كونوا قردة خاسئين». فهذا أمر لا يطلب منه الامتثال (وهذا يوافق من قالوا بالمنع مطلقاً).
والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات: إنتقل السبكي من الجواز العقلي إلى الوقوع الشرعي. بمعنى: هل وقع في الشريعة شيئ من المحال؟ فرجح رحمه الله وقوع التكليف بالمحال لغيره دون المحال لذاته. وذلك لتدخل مسألة التكليف في إيمان أبي لهب وأبي جهل، إذ أن إيمانهما محال، ممنوع الوقوع لغيره. فلما علم الله أنه لن يؤمن إستحال الإيمان في حقه لا لذاته. ككون أبي جهل مخلوقا لا يقبل الإيمان.
* والصحيح والأسلم أن يقال: التكليف وقع مراداً شرعاً لا كوناً.
* ووقوع التكليف بالمحال في الشرع ممنوع مطلقاً. وهو الراجح لأن الله لم يكلف أحداً فوق طاقته ولا أمر بمُحال. أما قوله تعالى: «ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به» فهو دعاء المسلمين أجابه الله كما في صحيح مسلم (قال الله قد فعلت) * فثبت إمتناع تحميل الخلق ما لا يطيقون.
هل الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف؟ وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.#
مسألة: الأكثر: الجمهور. أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطاً في صحة التكليف: بمعنى أن حصول الشرط الشرعي هو شرط
في الأداء. مثاله (الكافر مكلف بالصلاة لكن لا تصح منه ولا يقبل أداؤه إلا بشرط الإيمان) لأن الإيمان هو شرط صحة الصلاة لا شرط وجوبها. وهي مفروضة في تكليف الكافر بالفروع: أي. هذه المسألة مفروضة (لا بد منها) في تكليف الكافر بفروع الشريعة. إذ أن الخلاف لا يطّرد في سائر الشروط الشرعية (رداً على من نازع وقال أن المحدث مكلف بالصلاة إجماعاً. فقيل له الخلاف في الكافر ولا يطّرد في سائر الشروط الشرعية).
والصحيح وقوعه: ① وهو الراجح عند السبكي. أن الكافر مكلف مخاطب بفروع الشريعة. خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية مطلقاً ② أي هم خالفوا السبكي. فقالوا: الكافر غير مكلف ولا مخاطب بالفروع مطلقاً. ولقوم في الأوامر فقط: ③ أي وخلافاً لقوم يخالفون في الأوامر فقط. بمعنى: الكافر مخاطب بالنواهي دون الأوامر. ولآخرين فيما عدا المرتد: ④ أي وخالف آخرون في غير المرتد ووافقوا في المرتد. بمعني: المرتد مخاطب بالفروع والكافر الأصلي لا.
قال الشيخ الإمام: والده. والخلاف في خطاب التكليف وما يرجع إليه من الوضع: أي أن الخلاف في مسألة (تكليف الكافر بالفروع وعدمه) هو في خطاب التكليف وخطاب الوضع الراجع إليه. مثاله الصلاة خطاب تكليفي يرجع إليه خطاب وضعي (أسباب، موانع)، كزوال الشمس. فالخلاف في هذا. لا في الإتلافات والجنايات وترتيب آثار العقود: كصحة البيع والنكاح وفسادهما. فهم داخلون فيهما قطعاً (أي الكفار) وتلزمهم كما تلزم الصبيان والمجانين.
الفعل المكلف به وما يتعلق به.#
مسألة: لا تكليف إلا بفعل: بمعنى أن التكليف في الأمر يكون بفعل المأمور به (أقيموا الصلاة - آتوا الزكاة...). فالمكلف به في النهي: أي أما التكليف في النهي (ففيه خلاف). الكف ①: وهو فعل يكف النفس عن المنهي عنه. أي الانتهاء، وفاقاً للشيخ الإمام: والده فسر الكفّ بالانتهاء. وقيل فعل الضد ②: أي إنشغال الذمة بضد المنهي عنه
(الصدق بدل الكذب)... وقال قوم الانتفاء ③، أي انتفاء المنهي عنه وعدم وجوده، وهو غير الانتهاء. وقيل يشترط قصد الترك ④: أي أنه يشترط في امتثال النهي قصد ترك المنهي عنه. * والصحيح أن القصد (النية) يشترط لتحصيل الثواب.
والأمر: أي متى يتوجه الأمر للمكلف؟ * قال القرافي: هذه هي أغمض مسألة في الأصول مع قلة جدواها، ولا ثمرة لها في الفروع. عند الجمهور يتعلق بالفعل قبل المباشرة ①: أي هو مكلف بالأمر الصادر من الشارع قبل مباشرته والبدئ فيه. بعد دخول وقته إلزاماً: أي إذا دخل وقت المأمور به كان مكلفاً به إلزاماً. وقبله إعلاماً: أي هو مكلف بالمأمور به حتى قبل دخول وقته لكن إعلاماً لا إلزاماً. * ثم اختلفوا في بقاء الأمر بالتكليف قائماً (مستمراً) أثناء المباشرة.
فالأكثر: يستمر حال المباشرة ①: أي يبقى مكلفاً بالمأمور به أثناء مباشرته له. وقال إمام الحرمين: الجويني. والغزالي: ينقطع ②: أي يُرفع عنه التكليف أثناء مباشرته المأمور به.
وقال قوم: (حكاه المصنف عن الأشعري والبيضاوي وغيرهما) لا يتوجه إلا عند المباشرة ②: بمعنى أنه قبل مباشرته المأمور به لا يكون مكلفاً به أصلاً. وهو التحقيق: أي الراجح عند المصنف. * لاحظ: هذا القول وضعه في مأزق فيه سلب التكاليف. (فيقال: لا أفعل حتى أُكلَّف. ومفاد قول المصنف. لا يُكلَّف حتى يفعل). فأجاب عنه رحمه الله بقوله: فالملام قبلها على التلبس بالكف المنهي عنه: أي الملام قبل المباشرة هو متلبس بالترك أو الكف (الذي هو فعل). وبتلبسه بهذا الكف المنهي عنه توجه إليه التكليف فيُلام. * وقيل يلام على تأخره لا توجه التكليف إليه.
صحة التكليف وعلاقته بعلم الأمر وانتفاء شرط وقوعه.#
مسألة: يصح التكليف: بمعنى: هل يصح تكليف أحدٍ بأمر لن يقع لانتفاء شرط وقوعه في وقته؟ - على ثلاثة أقسام. قال:
ويوجد معلوماً للمأمور إثْرَهُ مع علم الآمر① ؛ أي الآمر(الله) يعلم إنتفاء شرط المأمور به دون المأمور(المكلف). قال يصح التكليف ومَثّل بقوله: كأمر رجل بصوم يوم، علم موته قبله؛ أي الآمر(الله) يعلم دون المأمور(المكلف) عدم وقوع المأمور به(الصيام) لإنتفاء شرط وقوعه(الحياة). وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عند وقته② ؛ أي وكذلك يصح التكليف في حالة علم المأمور بانتفاء شرط المأمور به، وهو الأظهر عند المصنف.
ومثاله: من علمت أنها تحيض في أثناء النهار وجب عليها بدؤ يومها بالصيام. خلافاً لإمام الحرمين: الجويني، والمعتزلة: قالوا لا يصح التكليف في كلتا الحالتين. أما مع جهل الآمر فالاتّفاق③: تصح التكاليف بالإتفاق في حالة جهل كل من الآمر والمأمور بانتفاء شرط المأمور به. * انتبه: وهذا لا يصح في حق الشارع سبحانه المنزه عن الجهل. فلا يدخل في دائرة أصول الفقه. مثاله: أن يأمر السيد عبده بشيئ يفعله غداً.
حكم الشيئين المأمور بهما على الترتيب أو الجمع.#
الحكم قد يتعلق بأمرين؛ أي قد يأتي الواجب بطلب فيه أكثر من أمر. على الترتيب① ؛ أي الواجب المرتب. مثاله الكفارة المرتبة كالظهار. وعلى البدل كذلك②؛ أي الواجب المخير مثاله الكفارة المخيرة كالحنث. فيحرم الجمع أو يباح أو يسن؛ بمعنى: يكون الجمع بين أكثر من أمر في كل من المرتب والبدل(المخير) إمّا حراماً أو مباحاً أو مندوباً. مثاله: تحريم الجمع في المرتب: (الجمع بين المذكاة والميتة). وفي البدل: (الزواج من كفأين في آن واحد).
إباحة الجمع في المرتب: (الوضوء والتيمم). وفي البدل: (ستر العورة بثوبين).
ندب الجمع في المرتب: (خصلتين من كفارة الظهار). وفي البدل: (خصلتين من كفارة الحنث).
* قال والد المصنف مستدركاً على مثال ندب الجمع بين خصال الكفارة: هذا لا دليل عليه.
الكتاب الأول:#
* الكتاب ومباحث الأقوال.#
* تعريف القرآن الكريم، وبعض المباحث القراءات.#
الكتاب: بدأ به لكونه أصل الأدلة. القرآن: عرفه بالمرادف أولاً.
والمعني به هنا: يشير إلى أن للكلام أكثر من معنى عند الأشاعرة. (الكلام النفسي + اللفظي اللساني). اللفظ المنزل: فأُخرج الكلام النفسي الغير منزل. على محمد صلى الله عليه وسلم: فخرج ما نزل على غيره من الأنبياء والرسل. للإعجاز: ليخرج غيره من الوحي الغير معجز كالحديث القدسي والنبوي.
بسورة منه: كي لا يفهم أن الإعجاز لا يكون إلا بمجموعه كله.
المتعبد بتلاوته: ليخرج منسوخ التلاوة.
ومنه البسملة: أي البسملة من القرآن. (وخلاف في كونها أية مستقلة). أول كل سورة غير براءة على الصحيح: ينسب للشافعي القول بأن البسملة أية في جميع أوائل السور عدا براءة، لكن هذا يخالف ما عليه الجمهور من أنها من القرآن في كل السور لكن ليست أية.
لا ما نقل أحاداً على الأصح: أي، الصحيح أن ما لم يُنقل بالتواتر (يريد القراءات الشاذة). فهو لا يثبت قرآناً يُتعبد به.
والسبع المتواترة: يريد القراءات السبع. وأئمتها هم: نافع المدني/ بن كثير المكي/ أبو عمر البصري/ بن عامر الشامي/ عاصم، حمزة، الكسائي الكوفيون/ قيل: أي فيما إذا تواترت هذه القراءات؟. فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة: بمعنى أن التواتر في الألفاظ والكلمات دون ما كان من قبيل الأداء والتجويد.
قال أبو شامة: صاحب المرشد الوجيز في القراءات. والألفاظ المختلف فيها بين القرّاء: أي. وليست من المتواتر أيضاً.
الألفاظ المختلف فيها بين القراء. كـ(ملك - مالك) * والصحيح أنها متواتر، وكلام بن شامة يُحمل على ما ذكره المصنف مما هو من قبيل الأداء في كيفية المدود والهمزة والإمالة...
ولا تجوز القراءة بالشاذ: أي لا تجوز تعبداً (التلاوة - الصلاة...).
والصحيح أنه ما وراء العشرة: أي، الصحيح أن ما فوق القراءات العشر. (وهي إضافة إلى السبع المذكورة: أبو جعفر المدني/ يعقوب الحضرمي/ خلف الكوفي). فهو شاذ. وفاقاً للبغوي: صاحب التفسير. والشيخ الإمام: والده. فقد قالا أن ما فوق العشرة شاذ. وقيل: ما وراء السبعة: أي، قيل أن ما زاد على السبع المتواترة المشهورة فهو شاذ. (وهذا مرجوح). أما إجراؤه مجرى الآحاد، فهو صحيح. بمعنى، أن الشاذ وإن أتُّفِق على أنه غير متواتر (وبالتالي ليس قرآناً يُتعبد به) إلا أنه يُعامل معاملة الحديث الآحاد. يحتج بها وتؤخذ منها الأحكام.
ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة: بمعنى، أن كلّاً من كلام الله وكلام رسوله مفهوم معلوم المعنى. خلافاً للحشوية: يقصد أهل الحديث ومن وافقهم في باب الأسماء والصفات من إثباتها وإجراء معانيها على ظاهرها من غير تكييف ولا تعطيل ولا تأويل.
ولا ما يُعنى به غير ظاهره: أي، ولا يجوز ورود ما يُعنى به غير ظاهره في كتاب الله. بمعنى: يجب إجراء معنى ما في كتاب الله على ظاهره. إلا بدليل: أي لا يجوز صرف اللفظ عن معناه الظاهر (وهذا هو التأويل). إلا بدليل.
خلافاً للمرجئة: من أصولهم: أنه لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة، كما يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان. * الصحيح أن كل الفرق المخالفة للسنة لهم حظ من التأويل الفاسد. كالمعتزلة والأشاعرة والخوارج والجهمية وغيرهم...
وفي بقاء المجمل غير مبين: بمعنى: هل بقي في كتاب الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظ مجملة لا يعرف معناها؟ فيه ثلاثة أقوال: ① نعم مطلقاً: ألم - حم - طه - أثر عمر في بيان الكلالة والخلافة... وغيره. ② لا مطلقا: لأن الله أكمل الدين، ونفي العلم
عن البعض لا يعني نفيه عن الكل. ③ وهو ما رجحه المصنف فقال: ثالثها الأصح؛ أي القول الثالث هو الصحيح، وفيه تفصيل. لا يبقى؛ أي، لا يبقى مجملا غير مبين. المكلف بمعرفته؛ (هنا كان الأولى أن يقول بالعمل به): أي، ما كُلفنا بمعرفته (بالعمل به)، كله مبين لا يصح بقاؤه مجملا، وجوزه(أي الإجمال) فيما لا تكليف فيه. ← هذا تفصيل الجويني في البرهان.
والحق أن الأدلة النقلية؛ القرآن والسنة. قد تفيد اليقين: أي لا تفيد اليقين إلا بشروط. بانضمام تواتر؛ من الشروط أن تكون متواترة. أو غيره؛ من القرائن. كثبوتها في الصحيحين...
المنطوق والمفهوم.#
* تعريف المنطوق:#
المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق؛ فخرج ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وهو المفهوم. بمعنى: المنطوق ما جاء منطوقاً في اللفظ، والمفهوم: ما دل عليه اللفظ بفهمنا لا بالنطق.
* ثم قسم المنطوق إلى نص وظاهر فقال: وهو: أي المنطوق.
نص: إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد؛ أي، المنطوق يكون نصاً إذا لم يحتمل إلا معنى واحداً، كزيد وعمرو. فهو يدل على معين لا يحتمل غيره.
ظاهر: أي يكون المنطوق ظاهراً. إن احتمل مرجوحاً كالأسد؛ بمعنى: الظاهر: ما أفاد معنى راجح واحتمل آخر مرجوح. كالأسد: راجح في الحيوان المفترس ومرجوح في الرجل الشجاع.
* ثم قسم اللفظ إلى مفرد ومركب فقال.
واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى ف؛
مركب: بمعنى: إن فصلت جزءاً عن المركب بقي فيه شيئ من المعنى:
مثاله كتاب الطالب. إن فصلت كتاب بقي الطالب دالاً على شيئ من المعنى.
وإلا ف؛
مفرد: أي، إذا لم يدل جزؤه على جزء من المعنى فهو المفرد. مثاله زيد. إن فصلت حرفاً لم يدل على شيئ من معنى زيد.
* ثم قسم دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام: المطابقة - التضمن - الإلتزام. فقال؛
ودلالة اللفظ على معناه؛
مطابقة: أي، أن اللفظ إذا دل على معناه الذي وُضع له فهو المطابقة (طابق اللفظ المعنى). مثاله لفظ الأسد يدل على الحيوان المفترس (مطابقة).
وعلى جزئه؛
تضمن: أي، إن دل اللفظ على جزء من معناه فهو التضمن. مثاله الأسد - حيوان. ولازمه الذهني؛
إلتزام: أي، إن دل اللفظ على لازمه الذهني (كأن لا يُفارق الذهن عند ذكر اللفظ)، فهو الإلتزام، مثاله الأسد - قوي - مفترس (هذا عند المناطقة لا الأصوليين) والأولى لفظية، والثنتان عقليتان؛ أي، دلالة المطابقة لفظية دل عليها اللفظ لغة. ودلالتا التضمن والإلتزام عقليتين، معناهما عقلي لا لغوي. (التضمن فيه خلاف هل هي لفظية أم لغوية. والمصنف رجح كونها لفظية)
ثم المنطوق، إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار ف؛
دلالة اقتضاء: يعني: أن يقتضي الكلام تقدير وإضمار لفظ لكي يستقيم فيكون صادقاً أو صحيحاً. مثاله قوله تعالى «واسأل القرية» يقتضي تضمن مضمر مقدر وهو أهل القرية، فاللفظ المقدر هو المقتضى والدلالة تسمى دلالة الاقتضاء.
وإن لم يتوقف ودل على أمر لم يُقصد؛ بمعنى: إن لم يتوقف الصدق أو الصحة على إضمار، وأشار إلى معنى (أمر) غير مقصود في الأصل. ف؛
دلالة إشارة: وهي أن يُشير إلى أمر لم يقصده لذاته. مثاله قوله تعالى: «والوالدات يرضعن...» «وعلى المولود له...». المقصود هو إرضاع الوالدات بالمعروف ووجوب النفقة على الأب. وفي قوله: المولود له: إشارة إلى أن الأب أحق بالنسب من الأم.
تعريف المفهوم:#
المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق؛ فيخرج المنطوق. بمعنى: يبقى ما فُهم عند النطق غير المنطوق به (موافقاً أو مخالفاً).
فإن وافق حكمه المنطوق ف؛
موافقة: أي مفهوم الموافقة: وهو أن يوافق ويتفق المفهوم والمنطوق في الحكم. مثاله المنطوق: قال تعالى «ولا تقل لهما أف...» حكمه تحريم التأفف. المفهوم: لا تضربهما. حكمه تحريم الضرب. فاتفق المفهوم والمنطوق في الحكم. (الذي هو تحريم الإيذاء)
* ومفهوم الموافقة درجتان. أولوي وهو فحوى الخطاب ومساوٍ وهو لحن الخطاب.
فحوى الخطاب: إن كان أولى؛ وهو أن يكون المفهوم أولى بالحكم من المنطوق. مثاله. الضرب والتأفف. و؛
لحن الخطاب: إن كان مساوياً؛ أي، يكون المفهوم مساو للمنطوق في الحكم. مثاله أكل مال اليتيم وحرقه. وقيل لا يكون مساوياً؛ (يشير إلى الخلاف في لحن الخطاب). * من الأصوليين من يقول أن لحن الخطاب لا يندرج تحت مفهوم الموافقة. كونه مساوياً إذ مفهوم الموافقة لما كان أولى، فيجعلون لحن الخطاب من المنطوق.
* ثم اختلفوا في دلالة مفهوم الموافقة إلى: قياسية / لفظية حقيقية عرفية / لفظية مجازية. قال:
ثم قال الشافعي والإمامان: الجويني والرازي. دلالته: أي. دلالة مفهوم الموافقة. (من فحوى الخطاب ولحنه). ① قياسية؛ بمعنى، أن مفهوم دلالة الموافقة من القياس الجلي (قياس اللعن والضرب على التأفف). ② وقيل لفظية؛ أي. دلالة مفهوم الموافقة ليست قياسية، وإنما لفظية. لأن أصلها يعود للفظ. (اللفظ منطوق ومفهوم، والمفهوم موافقة ومخالفة...) * ثم قسم اللفظية قسمين: مجازية/ حقيقية عرفية. قال ① فقال الغزالي والآمدي، فُهمت من السياق والقرائن وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم؛ بمعنى، دلالة مفهوم الموافقة، هي دلالة لفظية مجازية، كونها لا تُفهم من نفس اللفظ. لكن من السياق والقرائن، ومن إطلاق الخصوص وإرادة العموم. مثاله كلمة أف لا تشمل الضرب والسب حقيقة لكن مجازاً. فأطلق التأفيف وأريد ما هو أعمُّ منه. (سب - شتم - ضرب).
② وقيل: نُقِل اللفظ إليها عرفاً؛ بمعنى، هي دلالة لفظية حقيقية عرفية، دلّ عليها اللفظ عُرفاً. مثاله لفظة أف تدل حقيقة على التأفف كما تدل في عُرف الناس حقيقة على كل أذى.
وإن خالف؛ أي، إن خالف المفهوم حكم المنطوق. ف؛
المخالفة: أي. مفهوم المخالفة، أو (دليل الخطاب). وشرطه؛ أي، شروط
الإحتجاج بمفهوم المخالفة. ① ألا يكون المسكوت تُرك لخوفٍ ونحوه؛ أي: ألا يكون هناك سبب وراء تركِ ذكر المسكوت، كالخوف أو الجهل. (وهذا لا يكون في كلام الشارع). مثاله شخص حديث بالإسلام، أراد أن يتصدق بماله وخاف أن يُتّهم بالنفاق فقال: تصدقوا به على فقراء المسلمين. فلا يكون مفهوم المخالفة ترك فقراء غير المسلمين. (لأنه إنما سكت عنهم خوفاً). / كذلك من جهل ولم يتبادر إلى ذهنه، أن عدم ذكره المسكوت. ينبني عليه مفهوم مخالفة.
② ولا يكون المذكور خرج للغالب؛ لأن ما خرج للغالب خُصّ بالذكر لغلبة حضوره في الذهن. فلا ينبني عليه مفهوم مخالفة.
مثاله قال تعالى: «لا تأكلوا الربا أضعافاً مُضاعفة»، فهل تحل الضعف الواحد أو نصفُه بمفهوم المخالفة، الجواب: لا عبرة لمفهوم المخالفة هنا. لخروج المذكور مخرج الغالب. خلافاً لإمام الحرمين: الجويني، يرى أن مفهوم المخالفة معتبر فيما خرج مخرج الغالب.
أو لسؤال؛ أي. ألا يكون المذكور إنما خُصّ جواباً عن سؤال.
مثاله أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «توضأ من لحوم الإبل». فخصّ الإبل لأنه سُئل عنها. وبالتالي لا عبرة بمفهوم المخالفة. أو حادثة؛ أي: ألا يكون المذكور خُصَّ بالذكر لأثر حادثة ما. مثاله. كأن يقول: لزيدٍ غنم سائمة. فيُقال فيها زكاة. أو للجهل بحكمه، أي: ألا يكون المذكور إنما ذُكر لجهل المخاطِب بحكمه. مثاله يعرف حكم الزكاة في المعلوفة ويجهله في السائمة. فيذكر حكمها. أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر؛ ((وهذا ضابط لهذه الشروط)). بمعنى: ألّا يظهر لتخصيص المنطوق به بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه.
ولا يمنع؛ أي. ما يقتضي التخصيص بالذكر. قياس المسكوت بالمنطوق؛ بمعنى: أن هذه الشروط المذكورة سلفاً تمنع إعمال مفهوم المخالفة، لكن لا تمنع القياس؛ فمع وجود هذه الموانع لمفهوم المخالفة، يقاس المسكوت بالمنطوق. مثاله قال تعالى: «ومن قتله منكم متعمداً...». فقولك: العمد خرج مخرج الغالب يمنع الإحتجاج بمفهوم المخالفة، لكن لا يمنع قياس غير العامد. بل قيل: يعمه المعروض؛ أي: يعمه اللفظ المذكور. مثاله «ومن قتله» عمّ المعروض هنا (الذي هو القتل) كُلّاً من العمد وغيره. وقيل لا يعمه إجماعاً؛ أي. المعروض الذي هو اللفظ المذكور لا يعم المسكوت باللفظ إجماعاً. (والصحيح أن لا إجماع).
وهو صفة؛ بدأ في ذكر أنواع مفهوم المخالفة بعد الإنتهاء من تعريفه. فمنها: مفهوم الصفة. بمعنى: حكم المسكوت يُؤخذ من خلاف صفة المنطوق. ثم مثل لمفهوم الصفة فقال: كالغنم السائمة أو سائمة الغنم لا مُجرد السائمة على الأظهر؛ إذن حالتان لمفهوم الصفة. ① أن يُذكر كل من الوصف والموصوف سواء تقدم أحدهما أو الثاني. يكون مفهوم مخالفة. مثاله في الغنم السائمة زكاة. مفهوم المخالفة: في الغنم الغير سائمة لا زكاة. / في سائمة الغنم زكاة. مفهوم المخالفة: في غير سائمة الغنم لا زكاة. ② أن يُذكر الموصوف مجرداً من الوصف.
مثاله في السائمة زكاة. (وهذا فيه خلاف، هل هو من مفهوم الصفة أم مِن الألقاب). قال رحمه الله: لا على الأظهر؛ أي. ليس مفهوم صفة. ثم انتقل لذكر خلاف في المثال الأول. فقال: وهل المنفي غير سائمتها؛ بمعنى: هل نفي الزكاة يكون عن معلوفتها (معلوفة الغنم). أو غير مطلق السوائم؟؛ أي. نفي الزكاة عن كل معلوفة. (إبل - بقر...). قولان.
ومنها؛ يعود الضمير للصفة. أي: من أنواع مفهوم الصفة؛ العلة - والظرف والحال والعدد وشرط وغاية: مثال العلة؛ ما أسكر قليله فكثيره حرام. العلة الإسكار. مفهوم المخالفة. ما لم يسكر كثيره فقليله ليس بحرام. الظرف؛ (أي ظرفا الزمان والمكان). الزمان: «الحج أشهر معلومات». الحج له زمان معلوم. مفهوم المخالفة. من
أحرم خارج زمن الحج لم يحج. / المكان: «وأنتم عاكفون في المساجد» مكان الإعتكاف المسجد. مفهوم المخالفة: عدم صحة الإعتكاف في غير مسجد. الحال: «ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد»: لا مباشرة حال الإعتكاف. مفهوم المخالفة. باشروهن إن لم تكونوا عاكفين. العدد: «فاجلدوهم ثمانين جلدة» مفهوم المخالفة: لا أكثر ولا أقل. الشرط: «وإن كن أولات حمل فانفقوا...» مفهوم المخالفة: إن لم يكن حاملات. الغاية: «فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره» مفهوم المخالفة: إن نكحت حلت. وإنما، ومثل: لا عالم إلا زيد. وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل، وتقديم المعمول: هذه هي صيغ مفهوم الحصر الأربعة: ويكون عملها بحصر الحكم في المحكوم عليه. فيكون مفهوم المخالفة: أن يُعطى الغير محكوم عليه بالحصر، خلاف حكم المحكوم عليه. مثاله إنما: للإختصاص وللتوكيد. «إنما الأعمال بالنيات - لا يُقبل عمل بلا نية. النفي والإثبات: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب - بدون فاتحة لا تصح الصلاة. (استثناء الأحناف). فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل: ﴿والله هو الغني﴾ - لا غني إلا الله. تقديم المعمول: أي المفعول. «إياك نعبد» - لا نعبد غيرك.
وأعلاه؛ أي. أوَّله - أفضله - أقواه. والضمير يعود على أنواع الحصر لا مفهوم المخالفة في الراجح. (كونه سيعود لاحقاً رحمه الله إلى ترتيب مفهوم المخالفة. بدأ الآن بترتيب مفهوم الحصر). فقال لا عالم إلا زيد؛ بمعنى: لا وإلا هُما الأقوى. فقدَّمهُما. ثُم ما قيل إنه منطوق أي بالإشارة؛ وهي إنما. (قال بعضهم: هي ليست من المفهوم بل من المنطوق بإشارة النص). ولذلك قدَّمها على غيرها وإن كان هذا مرجوحاً عنده لتعبيره بقيل. ثُم غيره؛ من أنواع الحصر وهي. فصل المبتدأ من الخبر بضمير - وتقديم المعمول.
هل المفاهيم حجة؟#
مسألة: المفاهيم إلا اللَّقب حجة؛ ① بمعنى كل مفاهيم المخالفة حجة، إلا مفهوم اللقب. (وهو أضعف المفاهيم). (هذا هو المذهب الأول وهو قول الجمهور). لغة؛ أي: مفهوم المخالفة مأخوذ من لغة العرب
فكانت تُريد بكلامها إعطاء المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق. (وهذا القول هو الأقوى). وقيل شرعاً؛ أي. مفهوم المخالفة مأخوذ من نصوص الشرع. وقيل معنى؛ أي. من معنى الكلام. إذ لا يستقيم إلا بفهم أن المنطوق يأخذ خلاف حكم المسكوت عنه.
② واحتج باللقب؛ أي. واحتج بكل مفاهيم المخالفة. حتى مفهوم اللقب. الدقاق: أبو بكر بن جعفر الشافعي. والصَّيرفي: أبو بكر شارح رسالة الشافعي. وابن خويز منداد: من فقهاء المالكية المتقدّمين. وبعض الحنابلة.
③ وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً؛ فهو لا يحتج بمفهوم المخالفة مطلقاً تعظيماً للنص. ولكثرة خلاف المحتجين به فيه.
④ وقوم في الخبر؛ أي. أنكروا الإحتجاج بمفهوم المخالفة فيما جاء بصيغة الخبر. واحتجوا به فيما جاء بصيغة الأمر.
⑤ والشيخ الإمام: والده. في غير الشرع؛ أي: يحتج به في النصوص الشرعية دون سواها. من اللغة وكلام البشر.
⑥ وإمام الحرمين: الجويني. صفة لا تناسب الحكم؛ أي. ليس بحجة إذا كان لا تناسب. أمّا ما ناسب فيحتج به.
⑦ وقوم العدد دون غيره؛ أي. الكل حجة. عدا اللقب الذي أخرجه سابقاً. ومفهوم العدد الذي أخرجه هنا.
* سيشرع رحمه الله الآن بترتيب مفاهيم المخالفة كما فعل مع الحصر. كي يَسهُل الترجيح عند التعارض.
الغاية.#
مسألة: الغاية؛ أي. مفهوم الغاية. وهو من مفاهيم المخالفة. قيل منطوق؛ أي، ليست من المفهوم. وإنما هي من قسم دلالة المنطوق الغير صريح. (بالإشارة). وهو مرجوح. لذلك قال: والحق مفهوم؛ أي. الصحيح أن مفهوم الغاية هو من دلالة المفهوم. وهو قول الجمهور.
* الخلاف في مفهوم الغاية بين المنطوق والمفهوم جعلها ترقى وتتقدم غيرها. قال:
يتلوه الشرط؛ مفهوم الشرط. وكون البعض قال به دون مفهوم الصفة جعله يتقدم على مفهوم الصفة. فالصفة المناسبة؛
إذ أنّ غير المناسبة أضعف. فمطلق الصفة غير العدد؛ أي. كُلٌّ من العلة والظرف والحال عدا العدد. فالعدد؛ مفهوم العدد. وقد منع بعضهم حجيته. * لم يذكر مفهوم اللقب لأنه لا يعتبره حجة. فتقديم المعمول؛ هذا من صيغ الحصر، وأضعف مما سبق. قدمه هنا لخلاف فيه. قال: لدعوى البيانيين: هم البلاغيون أهل البيان. إفادته الإختصاص؛ أي: تقديم المعمول لا يفيد الحصر. بل الإختصاص. ـه وهل بينهما فرق؟ قال: وخالفهم ابن الحاجب. وأبو حيّان: الأندلسي. والإختصاص، الحصر؛ أي. هما مترادفان. لا فرق بينهما عندهما. خلافاً للشيخ الإمام: والده. حيث أثبته وقال ليس هو الحصر؛ أي. ليس الإختصاص هو الحصر. إذ الحصر أعلى درجة من الإختصاص وأشمل منه.
مسألة: سيتطرق رحمه الله إلى الخلاف فيما تفيده (إنما). قال: (إنما): قال الآمدي وأبو حيان: لا تفيد الحصر؛ أي: (إنما): تفيد تأكيد الإثبات. وأبو إسحاق الشيرازي: الفقيه الشافعي صاحب اللمع. والغزالي، صاحب المستصفى. والكيا: الهراسي الشافعي. والإمام: الرازي: تفيد فهماً؛ أي: (إنما): تفيد من جهة المفهوم لا من جهة المنطوق. فتكون للتخصيص. وقيل: نطقاً؛ أي: تفيد من جهة المنطوق فتكون للنسخ. مثاله من قال: إنما حضر زيد. ثم قال وعمرو. فمن قال بالفهم كان تخصيصاً، ومن قال بالنطق. كان للنسخ.
وبالفتح؛ أي: (أنَّما) بالفتح. لأن كلما سلف كان في (إنما) بالكسر. الأصح أن حرف (أنا) فيها فرع المكسورة؛ بمعنى: الصحيح أن حرف (إنا). (إنما) بالكسر هو الأصل و(أن) بالفتح هو الفرع. ومنهم من قال كلاهما أصل. ذُكِرتا في إن وأخواتها. ومن ثمت ادعى الزمخشري إفادتها الحصر؛ أي: إفادة (أنما) بالفتح الحصر مثل (إنما) بالكسر.
علاقة اللفظ بالمعنى في التعبير عن المراد.#
مسألة: من الألطاف؛ أي: من لطف الله بعباده أن جعل لهم لُغة يتحدثون بها ويعبرون بها عمّا في أنفسهم. حدوث الموضوعات اللغوية ليعبر عما في الضمير: ح
وهي أفيد من الإشارة والمثال وأيسر؛ الإشارة: ما يُعبّر به الذي لا يتكلم ولا يسمع وغيره أحياناً. والمثال: التعبير بالأمثلة المحسوسة. بحيث إن أراد طلب شيئ عبّر بمثله. وقوله: أفيد وأيسر. لكون اللغة أعم وأوسع من الإشارة والمثال. وهذا من لطف الله.
وهي: الموضوعات اللغوية (اللغة)، هذا تعريفها؛ الألفاظ؛ فتخرج الإشارة والكتابة وغيرهما. الدالة على المعاني؛ يخرج ما لا معنى له من الألفاظ.
وتُعرف؛ أي: من أين تعرف اللغة وتُستفاد: قال: بالنّقل؛ بتناقل الناس لها وتعبيرهم بها فيأخذها الواحد عن الآخر. متواتراً؛ أي: ما تواتر منها ولم يخفَ عن أحد كالماء. وآحاداً؛ مما قد يعرفه البعض دون الآخر كالمتعلّم دون الجاهل. أو باستنباط العقل من النّقل؛ أي: العقل وَسِيلَة، تُستنبط بها وتُستخلص وتُستخرج الموضوعات اللغوية (اللغة) من النقل. لا بمجرد العقل؛ تنبيه على أن العقل لا يُحدث الموضاعات اللغوية بنفسه، بل هو وسيلة به تُستنبط من النقل.
ومدلول اللفظ؛ أي. ما يدل عليه اللفظ أو (معنى اللفظ). * مدلول اللفظ يكون إما معنى وإما لفظ. والمعنى ينقسم إلى كُلّي وجزئي.
واللفظ ينقسم إلى مفرد ومستعمل ومفرد مُهمل ومركب. قال:
① إما معنى جزئي؛ يدل على جزء المعنى. أو كلي؛ يدل على كل المعنى.
② أو لفظ مفرد مستعمل كالكلمة فهي قول مفرد؛ أي: مدلول اللفظ في كلمة (زيد) مثلاً. هي لفظ مفرد مستعمل. أو مهمل كأسماء حروف الهجاء؛ كالألف مثلاً لا معنى له وحده. وإنما يُتوَصَّل به لفهم غيره. أو مركب؛ أي: لفظ مركب مستعمل يدل على المعنى مركباً. كقام زيد.
والوضع جَعْل اللفظ دليلا على المعنى؛ يريد تعريف الوضع. بمعنى: أن الوضع وُضع ليُفهم منه عند استعماله (التلفظ باللفظ). معنى معين. بحيث يكون اللفظ دليلا والمعنى مدلولا. (نتيجة)
ولا يشترط مناسبة اللفظ للمعنى؛ أي: لا يشترط التناسب بين تركيب اللفظ والمعنى. مثاله لفظة قرء. المستعملة للحيض والطهر. لا يمكن أن تناسب معناهما المتضادين. (وهذا قول الجمهور). خلافاً لعَبّاد: بن سليمان المعتزلي. حيث أثبتها؛
أُثبت إشتراط المناسبة بين اللفظ والمعنى. فقيل: بمعنى أنها حاملة على الوضع؛ أي: أن هذه المناسبة. حملت أهل اللغة على وضع هذا اللفظ لذلك المعنى. وقيل: بل كافية في دلالة اللفظ على المعنى؛ أي: المناسبة. كافية لوحدها في دلالة اللفظ على المعنى دون أن تحتاج لوضع.
①و اللفظ موضوع للمعنى الخارجي لا الذهني؛ أي: المعنى الذي يُفهم من اللفظ هو الحقيقي الخارجي، لا المتصور في الذهن. فلفظة بحر معناها هو الحقيقي الخارجي الملموس لا المتصور في الذهن. وهو الراجح عنده ② خلافاً للإمام؛ الرازي: هو يرى أن اللفظ يدل على المعنى الذهني. أي المتصور في الذهن عِندَ التلفظ. وقال الشيخ الإمام؛ والده ③ للمعنى من حيث هو: أي: اللفظ يدل على المعنى بغض النظر عن كونه ذهنيا أو خارجياً. فهو حقيقة في كليهما.
وليس لكل معنى لفظ؛ أي: لا يجب ولا يجوز أن يكون لكل لفظ معنى. بل كل معنى محتاج إلى اللفظ؛ لكون المعاني أكثر من الألفاظ.
المحكم والمتشابه.#
والمحكم: المتضح المعنى؛ بحيث لا تختلف فيه الأفهام. و
المتشابه: ما استأثر الله بعلمه؛ هذا عند من يرى بوجوب الوقف عند قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله». فتكون الواو بعدها للإستئناف. (وهذا قول جمهور المفسرين والفقهاء والأصوليين). وقد يطلع عليه بعض أصفيائه؛ لمن يرى أن الواو للعطف والوقوف ليس لازماً.
مثاله الحروف المقطعة. * خلافاً للمعتزلة، يرون أن صفات الله غير السبع المثبتة عندهم، هي من المتشابه، لتأويلهم لمعناها.
قال الإمام؛ الرازي. واللفظ الشائع؛ أي المعروف المنتشر بين العامة والخاصة. لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى خفي إلا على الخواص؛ بمعنى: أن هذا اللفظ المشهور بين الكل، لا يجوز ولا يمكن أن يكون وُضع لمعنى آخر خفي دقيق لا يعلمه إلا الخاصة. كما يقول مثبتوا الحال: بعض الفلاسفة والمناطقة يثبتون مرحلة (حالة) بين الوجود والعدم يسمونها حال. ويصفونها بالحركة.
الحركة معنى توجب تحرك الذات؛ بمعنى: مع كون الحركة لفظ شائع. إلا أن معناه عندهم خفي إلا على الخواص. فهي عندهم معنى يوجب تحرك وانتقال الذات. لا انتقال نفس الذات (فهو معنى).
أصل اللغة.#
مسألة: في الخلاف في أصل اللغة ومن وضعها. ①قال بن فورك؛ الشافعي من كبار أصحاب الأشعري. والجمهور: اللغات توقيفية، علمها الله بالوحي: بمعنى: أن اللغة وحي من الله لا دخل للبشر فيها. ودليلهم قوله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها...». وغيره. أو خلق الأصوات؛ أي. أصوات تدل على اللغة فيتناقلها من يسمعها. أو العلم الضروري؛ بمعنى: تُخلق بداخل النفس البشرية علماً ضرورياً. وعُزي إلى الأشعري؛ أي: ونُسب إلى أبي الحسن القول السابق. ② وأكثر المعتزلة إصطلاحية؛ أي: وضعها البشر واصطلحوا عليها بألفاظ معينة. حصل عرفانها بالقرينة والإشارة كالطفل؛ أي. عُرفت وإنتشرت ممن وضعوها إلى غيرهم بالإشارة والتلقين. كما يُلقن الطفل اللغة ويُعلّمها.
③والأستاذ: أبو إسحاق الإسفراييني. القدر المحتاج في التعريف توقيفي؛ بمعنى: ما يحتاجه الإنسان للتعريف عن نفسه والضروري حوله توقيفي. وغيره محتمل؛ أي. ما زاد عن هذا القدر من اللغة، يحتمل أن يكون توقيفياً ويحتمل أن يكون إصطلاحياً. (فقسم بهذا اللغة قسمين: ضروري توقيفي / إصطلاحي) ④وقيل: عكسه؛ أي: عكس قول الأستاذ. فيصبح القدر المحتاج في التعريف محتمل وغيره توقيفي. وتَوقف كثير؛ لم يذهبوا في المسألة مذهبا. وهو ما اختاره المصنف.
والمختار الوقف عن القطع؛ أي الراجح عند المصنف التوقف وعدم القطع بشيئٍ مما سبق. وأن التوقيف مظنون؛ أي القول بالتوقف هو الراجح. (أنظر كلام الآمدي).
هل تثبت اللغة بالقياس؟#
مسألة: هل اللغة كالأحكام تثبت بالقياس أم لا؟ ①قال القاضي: الباقلاني وإمام الحرمين: الجويني. والغزالي: تلميذ الجويني. والآمدي: لا تثبت اللغة قياساً: نفوا إمكانية القياس في اللغة ② وخالفهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام: الرازي. كل المذكورين هم من الشافعية. قالوا اللغة تثبت قياساً.
③وقيل تثبت الحقيقة لا المجاز؛ أي. القياس في اللغة يثبت في الألفاظ الحقيقية منها لا المجازية. مثاله إن قلت أسد وأردت الحيوان المفترس، تأتى لك القياس، وإن أردت الرجل الشجاع فلا. (لكونه خلاف الحقيقة والأصل). ولفظ القياس يغني عن قولك محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء؛ معنى الكلام أنك إذا اثبت القياس لغة. يغنيك عن استعماله في الأحكام الشرعية.
المتواطئ - المشكك - المتباين - المترادف - المشترك - العلم.#
مسألة: هذا في تقسيم اللفظ والمعنى باعتبار الإتحاد والتعدد. قال:
اللفظ والمعنى: إن اتحدا، فإن منع تصور معناه الشركة فجزئي وإلا فكلي؛ بدأ رحمه الله بالإتحاد (اتحاد اللفظ والمعنى) ويسمى (المنفرد). وهو قسمين: ف
①جزئي: وهو أن يمنع إطلاق اللفظ من تصور وقوع الشركة فيه كاسم العلم. مثاله. هذا زيد يمتنع تصور إشتراك أكثر من شخص في هذا اللفظ.
②كلي: وهو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كلفظة الرجل. مثاله الرجل يتصور من إطلاقه إشتراك أكثر من شخص فيه، كذلك نبات، بهيمة...
* والكلي بدوره ينقسم إلى قسمين. قال:
①لفظ كلي متواطئ: إن استوى؛ بمعنى: الكلي يكون متواطئاً متوافقاً إذا استوى معناه في أفراده. مثاله إنسان لفظ كلي متواطي. لأنه يشترك فيه كل من الطفل والرجل والمرأة... ويستوون فيه في الإنسانية.
②لفظ كلي مشكك: إن تفاوت؛ بمعنى اللفظ الكلي يكون مشككاً إذا تفاوت معناه في أفراده. مثاله النور يطلق على الشمس والسراج وبينهما تفاوت لا يخفى عن أحد. كذلك اللون (أبيض) لكن درجة البيضاء تختلف في الأشياء.
* سمي المشكك مشككاً. لشك حصل فيه، هل يلحق بالمتواطئ أو بالمشترك.
وإن تعددا ف: انتقل إلى تعدد واختلاف اللفظ والمعنى. (انتهى من الإتحاد).
متباين: أي. إذا اختلف وتعدد اللفظ والمعنى فيكون متبايناً. مثاله الرجل والفرس.
وإن اتحد المعنى دون اللفظ؛ أي: إذا كان المعنى نفسه لكن اللفظ مختلف متعدد. ف:
مترادف: المعنى واحد واللفظ مختلف. مثاله القمح والحنطة.
وعكسه؛ أي. إختلاف المعنى واتحاد اللفظ. وهو قسمان:
مشترك: إن كان حقيقة فيهما؛ بمعنى: إن كان اللفظ حقيقة في كلا المعنيين فهو المشترك. مثاله. العين حقيقة في الجارحة وفي الجارية. وإلا؛ أي: إن لم يكن اللفظ حقيقة في كلا المعنيين. ف:
حقيقة ومجاز: وهو أن يكون اللفظ حقيقة في أحد المعنيين دون الآخر. مثاله الأسد في الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
العلم: ما وضع لمعين؛ فأخرج النكرات (كرجل). لا يتناول غيره؛ أخرج باقي المعارف مما يتناول العلم وغيره. كالضمائر، أسماء الإشارة...
علم الشخص: إن كان التعيين خارجيا: أي: العلم الذي وُضع لمعين خارجي. (موجود متشخص في الخارج. كان بلداً أو شخصاً...). فهذا يسمى علم الشخص. وإلا ف:
علم الجنس: إن تصورته في ذهنك ولم تُطلقه على متشخص في الخارج فهذا علم الجنس. مثاله الأسد مفترس ولا تقصد أسداً بعينه.
اسم جنس: إن وُضع للماهية من حيث هي؛ أي. ما وضع ليدل على ماهية الشيئ نفسه. مثاله إنسان، ماء..
الإشتقاق.#
مسألة: الإشتقاق: وهو الإقتطاع لغة. رد لفظ إلى آخر؛ جعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً، فترد الفرع للأصل. مثاله عِلم وتعلم. ولو مجازاً؛ أي: الإشتقاق يكون حتى في الألفاظ المجازية. مثاله ناطق مشتق من نطق. ويستعمل مجازاً كقولك: الحال ناطق بما نعيشه.
* فذكر رحمه الله شرطين للإشتقاق: المناسبة والإشتراك. فقال:
①لمناسبة بينهما في المعنى؛ أي: من شروط الإشتقاق وجود مناسبة في المعنى بين المشتق والمشتق منه. مثاله علم - عالم - ضرب - ضارب...
②والحروف الأصلية؛ أي: من شروط الإشتقاق. الاشتراك والإتفاق في الحروف الأصلية. (للمشتق والمشتق منه). فتخرج الحروف الغير أصلية. (كالزوائد. وهي مجموعة في كلمة سألتمونيها). ولا بد من تغيير؛ أي: عند الإشتقاق يكون التغيير إمّا بزيادة حرف أو نقصانه. أو تغيير حركة،... (علم - عالم).
وقد يطرد كاسم الفاعل؛ أي: المشتق المطرد. وهو الذي يأتي غالباً بنفس الصيغة. ومثل باسم الفاعل لأنه يأتي دائماً بنفس الصيغة في الفعل الثلاثي وغيره. مثاله قاتل، ضاحك، مستغفر، مستكبر.
وقد يختص كالقارورة؛ أي. المشتق قد يكون مختصاً جامداً لا يطرد. ومثل بالقارورة: مثاله القارورة مشتق من قر وهي الزجاجة التي يقر فيها الماء. وهذا الإشتقاق خاص بها ولا يطرد في غيرها مما له نفس المعنى. كالحوض والبئر... مع أن الماء يقر فيهما.
ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق له منه اسم؛ بمعنى: لا يجوز أن نشتق لأحد أو شيئ إسماً من وصف هو لم يتصف به. وكذلك العكس. من اتصف بوصف جاز أن يشتق له منه إسم. مثاله من لم يتصف بالسكوت لا يسمى ساكتاً، ومن اتصف بالقيام سُمي قائماً. خلافاً للمعتزلة؛ أي. في نفي صفات الله تعالى. فقولهم قادر بلا قدرة وعالم بلا علم... إثبات لإسم لم تقم به صفة. * وكذلك الأشاعرة في باقي الصفات غير الثمانية المثبتة عندهم: (حياة وعلم وقدرة وإرادة - كلام وإبصار وسمع مع البقا).
ومن بناتهم اتفاقهم على أن إبراهيم عليه السلام ذابح، واختلافهم هل إسماعيل عليه السلام مذبوح؟: معنى الكلام. اتفاقهم على تسمية إبراهيم عليه السلام ذابحاً. لكونه قام به وصف الذبح. فهو أخذ السكين، وأمرّه على حلق إسماعيل. فسمي ذابحاً. أما إسماعيل عليه السلام. فاختلفوا في تسميته مذبوحاً لكونه لم يقم به الوصف.
وقد أوّلوا. فقالوا: الله أمر السكين ألّا تقطع. وقالوا حول الله رقبة إسماعيل إلى صحيفة من نحاس... فلما لم يقم به وصف الذبح لم يُسم مذبوحاً.
فإن قام بماله اسم، وجب الإشتقاق، أو بما ليس له اسم كأنواع الروائح لم يجب؛ بمعنى: إذا كان الوصف القائم له إسماً. فيجب أن تشتق منه الإسم. أما إذا كان الوصف مما لا اسم له. كأنواع الروائح والآلام. فلا يجب، أي يستحيل حينئذ أن تشتق منه اسماً.
والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن؛ أي: أن الجمهور يشترطون عند إطلاق المشتق. أن يبقى المشتق منه حقيقة إن أمكن. مثاله القاعد يوصف بالقعود أثناء القعود حقيقة، لا قبله ولا بعده. وإلا فآخر جزء؛ أي: إن لم يمكن حقيقة ففي آخر جزء من الحقيقة. مثاله إن تعذر وصف المتكلم أثناء الكلام (حقيقة)، جاز إلى آخر لفظة يتلفظ بها.
ومن ثَم كان اسم الفاعل حقيقة باعتبار الحال، أي حال التلبس لا النطق؛ بمعنى: إطلاق اسم الفاعل ونحوه. ك: قائم - راكع - ساجد... هو باعتبار الحال حقيقة. أي، باعتبار حال تلبس الفاعل بالفعل، لا حال تلفظ الناطق باللفظ المشتق.
مثاله قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا...» «والزانية والزاني فاجلدوا...». إذا اعتبرت حال النطق، لم يقع الحكم على السارق والزاني الآن. لأنه لم يكن سارقاً ولا زانياً حال النطق (حال ورود النص)، بل لم يكن موجوداً أصلاً. لكن باعتبار حال التلبس بالفعل يقع عليه الحكم. * أو: توقع عليه الحكم باعتبار اللفظ، لكن مجازاً. وهذا مشكل. وللقرافي فيه تفصيل سيأتي. قال: خلافاً للقرافي، أبي العباس المالكي. أي. أنه يعتبر حال النطق. (وهذا فيه نظر).
وقد قسم القرافي المشتق إلى محكوم به ومحكوم عليه.
أ_ أما المحكوم عليه وهو ما كان المشتق فيه يتعلق بالحكم. (حكم عام لا يخص أحداً بعينه)، فهو حقيقة مطلقاً في كل
من اتصف به في كل الأزمنة. مثاله قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا...». لا يُعتبر فيهم حال التلبس، وإنما متى وُجد الوصف المشتق تعلق به الحكم.
ب. أما المحكوم به. وهو ما كان المشتق فيه يتعلق بالمحكوم، فهذا يُعتبر فيه حال التلبس. مثاله أسكِت المتكلم. فلما كان الوصف متعلقاً بالمحكوم (المتكلم). وجب اعتبار الوصف المشتق (الكلام) حال التلبس (التكلم).
وقيل: إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الأول لم يسم بالأول إجماعاً؛ بمعنى: أنه لا يصح وصف محل طرأ عليه وصف جديد موجود. بوصف سابق إجماعاً. مثاله النائم يوصف بالنوم أثناء النوم. لكن إذا طرأ عليه وصف جديد كاليقظة. فلا يوصف بالوصف السابق (النوم). إجماعاً. / من رمى زوجته هل يلاعن؟. كلام الآمدي: إن كانت تزوجت غيره لم يلاعن وإلا لاعن. وكأنه رأى زواجها الثاني مانع مصداقية كونها زوجاً للأول.
وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات؛ بمعنى: أن المشتق لا تختص به ذات معينة. وإنما هو عبارة عن معنى فقط لا أكثر. مثاله الضارب - القائم.. هذا المشتق لا يختص به إنسان ولا حيوان ولا غيرهما. وإنما هو عبارة عن معنى من غير دلالة على خصوصية ذات معينة.
هل الترادف واقع في اللغة.#
مسألة: المترادف: وهو اتحاد المعنى وتعدد اللفظ. المترادف واقع: ① بمعنى: هل يقع المترادف في اللغة؟. رجح المصنف القول بالوقوع وهو قول الجمهور. مثاله السيف - الحسام - المهند... مترادفة في اللغة.
②خلافاً لثعلب؛ أحمد بن يحيى إمام الكوفيين. وابن فارس؛ اللغوي العمدة. مطلقاً؛ عندهما. الترادف لا يقع مطلقاً لا في اللغة ولا في الشرع. والإمام③ الرازي. في الأسماء الشرعية؛ أي: خلافاً للإمام الرازي. فهو يرى وقوع الترادف في اللغة دون الأسماء الشرعية.
مثاله الكفر خلاف الفسوق خلاف النفاق.
والحد والمحدود؛ أي: اللفظ وتعريفه. (كالصلاة): و(أقوال وأفعال. مخصوصة).. هل هذين مترادفان؟ ونحو حسن وبسن؛ بسن هذه تابع لحسن لا معنى له في اللغة يقال على الإتباع أو على التوكيد. غير مترادفين: أي كل من الحد والمحدود وحسن وبسن لا ترادف فيهما. على الأصح؛ أي. هو الراجح عنده مشيراً للخلاف. والحق إفادة التابع التقوية: أي. الصحيح أن التابع كبسن هو للتقوية لا للترادف.
ووقوع كل من الرديفين مكان الآخر؛ بمعنى: أن الألفاظ المترادفة يجوز استبدال بعضها ببعض فيحل الواحد مكان الآخر. لكن بقيد. قال: إن لم يكن تعبد بلفظه؛ بمعنى: أن الألفاظ المترادفة يجوز إستبدال بعضها ببعض، إلا ما تعبد به فلا يجوز فيه الإستبدال. كاستبدال الإحرام في الصلاة بالله أكبر، بمترادف آخر يدل على التعظيم. (لا يجوز). خلافاً للإمام: الرازي. مطلقاً؛ فهو يرى منع وقوع المترادف مكان رديفه مطلقاً. في الألفاظ الشرعية كان أو في اللغة. والبيضاوي: صاحب مختصر المشهور منهاج الوصول في علم الأصول. والهندي: الصفي. صاحب نهاية الوصول. إذا كانا من لغتين؛ أي: يجوز أن يقوم ويحل المترادف مكان الآخر. إن كانا من لغة واحدة (نفس اللغة). ويمنع إذا كانا من لغتين مختلفتين.
هل المشترك واقع في اللغة؟.#
مسألة: المشترك: لم يعرفه هنا لأنه سبق وعرفه، ودخل مباشرة ليبين الخلاف الحاصل في وقوع المشترك من عدم وقوعه. وذكر سبعة أقوال. ①؛ واقع؛ أي: المشترك واقع. ② خلافاً لثعلب والأبهري: المالكي. والبلخي مطلقاً؛ لا يقع
المشترك مطلقاً. لا في اللغة ولا في القرآن ولا في السنة. ③ ولقوم في القرآن؛ أي: المشترك وإن وقع في اللغة فلا يقع في القرآن عند قوم. (صيانة لكتاب الله). ④؛ وقيل في الحديث؛ أي: لا يقع في الحديث وإن وقع في اللغة. ⑤ وقيل واجب الوقوع؛ أي: المشترك يجب وقوعه في اللغة. وهذا أقوى من القول الأول الذي هو مجرد جواز الوقوع. (قولهم بالوجوب لكثرة معاني اللغة وحصر ألفاظها) ⑥ وقيل ممتنع؛ أي: عكس الوجوب. بمعنى يمنع وقوع المشترك في اللغة ولا يجب. ⑦ وقال الإمام: الرازي. ممتنع بين النقيضين فقط؛ بمعنى أن المشترك يقع. إلا في المتناقضين فلا. بمعنى: لا تقع لفظة مشتركة بين معنيين متناقضين. * والصحيح عكسه. مثاله القرء. للطهر والحيض. وعسعس للإقبال والإدبار..
هل يصح إطلاق المشترك على معنين؟.#
مسألة: لما قرر جواز المشترك مطلقاً، أي في اللغة والقرآن والسنة، انتقل ليبين كيفية التعامل معه إن جاء مطلقاً.
- فهل يصح إطلاق كلمة مشتركة المعاني وحملها على كل المعاني؟
- وهل يحمل السامع المشترك على كل معانيه؟ قال:
①المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً مجازاً؛ بمعنى: أنه يجوز إطلاق المشترك وإرادة كل معانيه، لكن يكون أحدها حقيقة، والباقي مجازاً. ② وعن الشافعي والقاضي أبي بكر والمعتزلة حقيقة: أي يجوز إطلاقه (المشترك). وإرادة كل معانيه حقيقة. ④ وزاد الشافعي: وظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن: بمعنى: اللفظ المشترك ظاهر في معنييه عند التجرد عن القرائن. فيحمل عليهما: إذاً فهو يحمل على كل المعاني حقيقة عند التجرد. وعن القاضي: مجمل: أي لا يظهر في كل المعاني خلافاً للشافعي. ولكن يحمل عليهما؛ فجعله يحمل أيضاً على
كل المعاني. كالشافعي. لكن. إحتياطاً: أي: من باب الإحتياط لا الحقيقة كما عند الشافعي. وقال أبو الحسين: البصري المعتزلي. والغزالي: يصح أن يراد لا أنه لغة؛ بمعنى يصح حمله على معنييه وأكثر، من باب الإرادة لا لكونه وارداً في اللغة. وقيل: يجوز في النفي لا الإثبات؛ أي: يجوز الحمل في النفي لكون النكرة في سياق النفي تفيد العموم. فعمّ كل معانيه. مثاله لا قرء عليك يعمّ الطهر والحيض. أمّا الإثبات فلا. مثاله إعتدي قرءاً. أي إما طهر أو حيض.
والأكثر على أن جمعه باعتبار معنييه إن ساغ؛ بمعنى. هل يمكن حمل المشترك على كل معانيه إن كان جمعاً لا مفرداً (قروء - عيون...)؟. مثاله عيون عمر: وتريد الباصرة والذهب والحنفية... قال. مبني عليه؛ أي: مبني على الخلاف الذي في المفرد (قرء - عين...). فهو فرع منه، فمن أجازه هناك، أجازه هنا والعكس.
* بعد الإنتهاء من حمل المشترك على معانيه، إنتقل إلى جواز أو صحة حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز معاً: قال:
الحقيقة والمجاز.#
وفي الحقيقة والمجاز الخلاف؛ أي: في حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز معاً. خلاف كالذي مرّ في المشترك. مثاله إطلاق لفظة الشراء، وإرادة السوم والشراء الحقيقي معاً/ إطلاق لفظة الأسد وإرادة الحيوان والإنسان معاً. خلافاً للقاضي؛ الذي لا يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز إطلاقاً. لأنه سيكون جمع بين النقيضين. فاللفظ حقيقة هو لما وُضع له ومجازاً لغير ما وُضع له فكان نقيضه. فلذلك استثني كلام القاضي من الخلاف المذكور. ومن ثَم؛
أي: وباعتبار ما رجّحه المصنف في المشترك (التعميم). عمّ؛ أي: عمّ اللفظ الواحد الحقيقة والمجاز أيضاً. ثم مثل فقال: نحو: «وافعلوا الخير». فيها فعل الأمر الذي يَعُمّ الواجب والمستحب. فيُستدل بالأية على كليهما، الواجب والمندوب؛ ونفس الشيئ في الحقيقة والمجاز. فالأمر حقيقة في الواجب ومجاز في المندوب فتعُمُّهما. خلافاً لمن خصه بالواجب؛ أي خلافاً لمن لا يرى التعميم. فيكون الأمر عنده في الحقيقة خاص بالوجوب. ولا يعم المندوب. ومن قال: للقدر المشترك؛ أي: ما يشترك فيه الواجب والمندوب وهو مطلق الطلب. وكذا المجازات؛ بمعنى: هل يُحمل اللفظ الذي تعذرت الحقيقة في معناه. على معانيه المجازية إن وُجدت؟ قوله: وكذا؛ أي: كذلك فيه خلاف. فمن عمّ المشترك. وعمّ الحقيقة والمجاز بلفظ. عمّ المجازات كذلك. لكن بشروط. أ. أن تنعدم الحقيقة ب أن تتساوى المجازات في القوة. لأنه إن رجح أحد المجازات حُمل عليه اللفظ. وكان بمثابة الحقيقة.
تعريف الحقيقة وبيان أقسامها.#
الحقيقة؛ أي تعريفها. لفظ مستعمل فيما وُضع له ابتداءً: كلُّ ما وُصف بلفظه الذي وضع له ابتداءً فهو حقيقة. مثاله النجم - القمر - السماء... وهي؛ أي أقسامها: لغوية؛ حقيقة لغوية. جاءت في لغة وكلام العرب. مثاله حجر - شجر - مطر... وعرفية؛ حقيقة عرفية. لفظ تعارف الناس على استعماله في معنى معين. مثاله الغائط. مكان منخفض. لكن تعارف الناس على وصف البراز به حقيقة. * والعرفية عامة، تعارف عليه عامة الناس كما مر في مثال الغائط. وخاصة: اختص بالتعارف عليه أهل فن أو حرفة أو علم... مثاله. الرفع في النحو وفي اللغة... وشرعية؛ حقيقة شرعية. ما وُضع للإستعمال في الشرع
خاصة. مثاله زكاة - حج - خلع... قال: ووقع الأوليان؛ أي: وقع الإتفاق على الأولى والثانية. (اللغوية والعرفية). ونفى قوم إمكان الشرعية؛ أي. اختلفوا في الشرعية. ① فنفى قوم إمكانها عقلاً. (نفي الإمكان العقلي). ② والقاضي؛ أبو بكر الباقلاني. وابن القشيري؛ أبو بكر المالكي. وقوعها: أي نفي الوقوع الشرعي. بمعنى: يمكن أن تكون لكن لا تقع في الشريعة. أما نفي الإمكان فهو أعم. بمعنى لا يمكن أن تكون أصلاً. ③ وقال قوم؛ وهو ما عليه الأكثر وقعت مطلقاً؛ أي. أن الحقيقة الشرعية ثابتة مطلقاً. فهي شرعية محضة لا علاقة لها باللغة ④ وقوم إلا الإيمان؛ أي. تقع الحقيقة الشرعية إلا الإيمان. لبقائه على مدلوله اللغوي. (لم يغير فيه الشرع شيئاً). ⑤ وتوقف الآمدي: التوقف. ⑥ والمختار وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي والإمامين؛ الجويني والرازي. وابن الحاجب وقوع الفرعية لا الدينية *(قيل أن نسبة هذا القول لغير ابن الحاجب فيه نظر) *(هذا القول هو الراجح عند المصنف). وهو التقسيم بين. الفرعية؛ أي الفروع كالصلاة والحج والصوم... والدينية؛ أي. الأصول كالإيمان والكفر والنفاق... ومعنى كلام المصنف: أن الحقائق الشرعية الفرعية تقع. لأنها فارقت معناها اللغوي إلى معناها الشرعي. أما الحقائق الشرعية الدينية، فلا تقع لكونها باقية على معناها اللغوي.
ومعنى الشرعي: ما لم يستفد إسمه إلا من الشرع؛ أي: لم يعرف له لفظ ولا معنى إلا في الشرع. وقد يطلق على المندوب والمباح؛ أي مصطلح الشرعي. (المشروع). لا يختص به الواجب. وإنما يراد به أيضاً المندوب والمباح. مثاله شرعت الصلوات الخمس = الوجوب / مشروعية التراويح = الندب / غير مشروع = نفي الجواز = الإباحة...
تعريف المجاز ومبحث وقوعه في اللغة.#
المجاز: اللفظ المستعمل بوضع ثان: لأن الوضع الأول (الإبتداء) هو للحقيقة فلزم أن يكون المجاز في وضع ثان. لعلاقة؛ أي. لعلاقة بين الحقيقة والمجاز. مثاله ← العلاقة في الأسد حقيقة (حيوان مفترس)، ومجازاً (الرجل الشجاع). هي القوة والشجاعة..
فعُلم: أي عُلم من التعريف. ① وجوب سبق الوضع وهو اتفاق؛ أي. المجاز يستلزم وضعاً مسبقاً باتفاق. بمعنى: لا يجوز استعمال لفظ في معنى مجازي. إلا إذا كان له وضع في الحقيقة. مثاله ← لفظة البحر وضعت للمكان ذات المياه الكثيرة والأمواج العالية... في الحقيقة. إذا يجوز إستعماله مجازاً للكريم أو لذي العلم الغزير.
(* سؤال: وهل من لفظة استعملت مجازاً، لا وضع لها في الحقيقة؟).
② لا الإستعمال: المجاز لا يستلزم إستعمالا سابقاً في وضعه الحقيقي. مثاله ← الغائط. موضوع سابقاً في الحقيقة للمكان المنخفض لكن لا يستعمل له. وهو المختار: أي القولين السابقين هما المختارين عند المصنف.
③ قيل مطلقاً: المجاز يجوز إستعماله بدون سبق إستعمال في حقيقته مطلقاً. ④ والأصح لما عدا المصدر: أي الصحيح عند المصنف. جواز الإستعمال في غير المصدر كـ(عطشان. شبعان رحمان...). أما في المصدر فيشترط سبق الإستعمال.
وهو واقع: أي. مطلقاً في اللغة والشرع والعرف وهو ما رجحه. خلافاً للأستاذ: الإسفراييني. والفارسي: أبو علي النحوي صاحب الأمالي. مطلقاً: أي. لا يقع مطلقاً. والظاهرية في الكتاب والسنة: أي. خلافاً للظاهرية فلا يقع عندهم في الكتاب والسنة. ويقع في اللغة والعرف.
في القرن الثالث هجري. ولم يُعرف قبلهم. ② ثم إن العرب تعرف اللفظ من سياقه ③ ومن أقوى ما استدلوا به، أن المجاز جُعل باباً دخلت منه الفرق والطوائف لتأويل نصوص الوحيين في الصفات، وصرفها عن حقيقتها، وذلك لعدم قدرتهم ردّ النصوص. كقوله تعالى "بل يداه مبسوطتان" "لما خلقت بيدي"... فعمدوا الى التأويل من هذا الباب. * ويُنسب النفي أيضاً لابن حزم الظاهري وبن خويز منداد المالكي والأمين الشنقيطي...
*ثم شرع في الكلام مبيناً متى يُعدل ويُنتقل من الحقيقة للمجاز. قال:
وإنما يعدل إليه لثقل الحقيقة؛ بمعنى: إذا كان اللفظ في حقيقته ثقيلا صعب التلفظ به. تركه وانتقل للمجاز. مثاله ← الخنفقيق. هو اسم للداهية. لما كان ثقيلا تُرك وعُدل عنه إلى ماهو أخف. أو بشاعتها؛ مثاله ← الغائط. أو جهلها؛ إمّا عند المتكلم أو المخاطب. أو بلاغته؛ التعبير بالمجاز أبلغ منه بالحقيقة. مثاله ← فلان بحر أبلغ من قولك عالم. أو شهرته: يشتهر ويستعمل في المعنى المجازي أكثر من الحقيقي. مثاله ← الغائط. أو غير ذلك؛ مما يوجب العدول والإنتقال، فإن لم يوجب فالحقيقة أولى.
وليس غالباً على اللغات؛ أي. المجاز أقل من الحقيقة إستعمالا في اللغات. وهو قول الجمهور. خلافاً لإبن جنّي: تلميذ الفارسي صاحب الخصائص. يرى العكس. أي المجاز أكثر من الحقيقة في اللغة.
ولا معتمد حيث تستحيل الحقيقة؛ بمعنى: إذا أراد بكلامه المعنى المجازي. وكان المعنى الحقيقي فيه مستحيلا. فإن هذا المعنى المجازي يُلغى ولا يُعتبر ولا يُعتمد. مثاله ← قال لعبد الأكبر
منه سنّاً. أنت ابني. وأراد بذلك مجازاً عتقه. فبما أنه يستحيل أن يكون ابنه حقيقة، لكبر سنه. لم يُعتق. لأن المجاز هنا يُلغى ولا يُعتمد. خلافاً لأبي حنيفة: يرى أنه يُعتمد. وبالتالي يُعتق. (لكي لا يكون الكلام لغواً لا معنى له). وهذا صحيح في كلام الشرع غير لازم في كلام البشر.
*ثم انتقل رحمه الله لترتيب كل من: المجاز والنقل والحقيقة والإشتراك والإضمار والتخصيص بحسب الأولوية. فقال:
وهو؛ أي المجاز. والنقل: مرّ ذِكره في الخلاف في الحقيقة الشرعية (نقل اللفظ من حقيقته اللغوية إلى الشرع). خلاف الأصل؛ أي الحقيقة. بمعنى: المجاز والنقل خلاف الحقيقة.
وأولى من الإشتراك؛ المجاز والنقل أولى من الإشتراك عند التعارض قيل؛ فيه دلالة على الخلاف. من الإضمار: المجاز والنقل أولى من الإضمار. وبسبب الخلاف الذي في الإضمار سبق الإشتراك. والتخصيص أولى منهما؛ التخصيص أولى من المجاز والنقل. فيكون الترتيب كالتالي: الحقيقة، التخصيص، المجاز، الإضمار، النقل، الإشتراك. وأضافوا النسخ (وهذا تظهر ثمرته عند التعارض فيعتبر للترجيح).
* حتى يكون المجاز صحيحاً. لا بد من علاقة بينه وبين الحقيقة. (لكي لا يطلق أي لفظ على أي معنى كان). سيذكر الآن أنواع هذه العلاقة. قال:
وقد يكون بالشكل أو صفة ظاهرة؛ تسمى علاقة المشابهة. بمعنى: العلاقة بين الحقيقة والمجاز. إمّا شبه في الشكل أو في صفة ظاهرة خرجت الصفة الخفية ( ). أمثلة ← تسمية صورة الأسد المنقوشة على جدار أسداً. لأن شكلها يشبه الأسد حقيقة / وصف الرجل الشجاع أسداً. لأن فيه صفة ظاهرة وهي الشجاعة والقوة كما في الأسد حقيقة.
أو باعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً لا إحتمالا؛ علاقة الإستعداد. بمعنى: وصف الشيئ بما هو مستعد له بما سيؤول إليه قطعاً أو ظنّاً. أما الإحتمال فلا لكونه أدنى وأقل من الظن. أمثلة ← قال تعالى "إنك ميت". وصفه بالموت وهو حي. لكونه سيموت قطعاً / قال تعالى "إني أراني أعصر خمراً" ظن ذلك وقد حصل تأويله. وبالضد؛ علاقة المضادة / المقابلة. بمعنى: تسمية الشيئ بضده. مثاله ← قال تعالى "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه". فسمى الدفاع عن النفس الذي هو حق بضده الذي هو الإعتداء. والمجاورة؛ علاقة المجاورة. بمعنى: تسمية
الشيئ بما جاوره. مثاله ← تسمية القربة راوية وهي الدابة التي يُستقى عليها.
والزيادة؛ علاقة الزيادة. مثاله ← قال تعالى: "ليس كمثله شيئ" قالوا: الكاف زائدة للتأكيد. والمعنى ليس مثله شيئ. إذ لو كانت أصلية لكان المعنى. ليس مثل مثله شيئ. وهذا فيه إثبات المثل وهو غير ممكن. والنقصان؛ علاقة النقصان. مثاله ← قال تعالى: "واسأل القرية". أي أهلها. وكذلك في كل مضمر. والسبب للمسبب؛ علاقة السببية. تكون بإطلاق السبب على المسبب والعكس. أمثلة ← قال تعالى "قد أنزلنا عليكم لباساً". ذكر المسبب (اللباس)، وأراد السبب الذي هو المطر. فاخضرت الأرض فأكلت الدواب فخرج الصوف فاللباس. / قولك: رعينا الغيث. ذكر السبب الذي هو المطر وأراد المسبب. العشب.
والكل للبعض؛ العلاقة الكلية والجزئية. بمعنى: إطلاق الكل على البعض والعكس. أمثلة ← قال تعالى "يجعلون أصابعهم في آذانهم". أي أناملهم / قال: صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". والمتعلق للمتعلق؛ علاقة التعلق. مثاله ← خلقُ الله: مخلوقة لوجود معنى التعلق في المخلوق. بالعكوس؛ أي عكس الثلاثة السابقة. المسبب للسبب، البعض للكل. المتعلق للمتعلق. وقد مرت الأمثلة. وما بالفعل على ما بالقوة؛ أي. إطلاق ما يمكن أن يكون في الواقع حقيقة. وكذلك العكس. (ما بالقوة على ما بالفعل). مثاله ← تسمية الأعمى بصيراً والأخرس متكلما. لأنه يمكن أن يكون متكلما مبصراً. لكنه حقيقة بالفعل ليس كذلك. وتسمية الخمر في الدّنّ بالمسكر. فأطلق على ما هو حقيقة بالفعل (الخمر). ما هو فيه بالقوة (المسكر). قبل الإسكار.
* مثبتوا المجاز متفقون على أن المجاز يقع في المفردات (كأسد وحمار وقمر...). فهل المجاز واقع في الإسناد وفي الأفعال وفي الحروف وفي المشتق وفي الأعلام؟ قال:
وقد يكون؛ أي. المجاز. في الإسناد خلافاً لقوم؛ ذكر الخلاف ورجح كون المجاز في الإسناد. أي في التركيب لا المفردات. مثاله ← قال تعالى "وأخرجت الأرض أثقالها". أسند الإخراج للأرض مجازاً. والمخرج حقيقة هو الله.
وفي الأفعال؛ أي. قد يكون المجاز في الأفعال. فيعبر بالمستقبل للماضي والعكس. مثاله ← قال تعالى "ونادى أصحاب الجنة". فعبر بالماضي. والنداء يكون مستقبلا يوم القيامة. والحروف؛ قد يكون المجاز في الحروف. مثاله ← قال تعالى "ولأصلبنكم في جذوع النخل". في. ظرفية استعملت لغيرها مجازاً. وفاقاً لإبن عبد السلام؛ العز سلطان العلماء. والنقشواني؛ نجم الدين صاحب تلخيص المحصول. ومنع الإمام؛ منع الرازي كون المجاز في الحرف مطلقاً؛ لأن الحرف لا معنى له فهو بحسب ما اتصل وتعلق به. إن كان حقيقة أخذ على الحقيقة وإن كان مجازاً فكذلك.
والفعل والمشتق إلا بالتبع؛ أي. منع الرازي كون المجاز في الفعل والمشتق (كاسم الفاعل واسم المفعول...). إلا بالتبع الذي هو الأصل أو المصدر المشتق منه. فإن كان المصدر مجازاً. كان مجازاً. وإن كان حقيقة فهما كذلك.
ولا يكون في الأعلام؛ لا مجاز. لا أصالة ولا تبعية. لإنعدام العلاقة في الأعلام. فأسماء الأعلام لا معنى لها يتعلق بالأشخاص. زيد. عمرو... وبالتالي لا مجاز. *(وقال بعضهم بلى: فقولك جاءني قيس أو تميم وهو اسم علم مريداً طائفة منهم مجازاً. لما بين الطائفة والإسم من علاقة). خلافاً للغزالي في متلمح الصفة؛ أي. يكون المجاز في الأعلام الموضوعة للصفة دون غيرها. مثاله ← الأسود الحارث... فتقول. جاءني الأسود بن علان. أو الحارث بن فلان. فيهما صفتي اللون والحرث. لا كغيرها التي لم توضع إلا للفرق بين الأشخاص.
* ثم إن للمجاز علامات سبع يعرف بها، سيذكرها تباعاً رحمه الله قال:
① ويعرف بتبادر غيره لولا القرينة؛ من علامات المجاز أن الحقيقة هي المتبادرة إلى الذهن والفهم لولا القرينة الدالة على المجاز. مثاله ← رأيت أسداً. المتبادر هو الحيوان ويدل على كونه مجازاً القرينة لقوله عليه فرس (الرجل الشجاع). ② وصحة النفي؛ أي يقبل النفي خلاف الحقيقة. مثاله ← الحمار حقيقة لا يقبل النفي في قولك هذا ليس حمار. لكن مجازاً للبليد نعم.
(قولك للبليد أنت حمار يقبل النفي فيقول أنا لست حماراً لكن الحمار حقيقة لا).
③ عدم وجود الإطراد؛ المجاز لا يطرد. بمعنى: إن ثبت في محل فلا يلزم من ذلك ثبوته في محل آخر. مثاله ← إسأل القرية. أي أهلها. فلا تقول إسأل البساط، إسأل البيت... لا يطرد.
④ وجمعه على خلاف جمع الحقيقة؛ جمع مفرد الحقيقة خلاف جمع مفرد المجاز. مثاله ← الأمر حقيقة بمعنى القول يجمع على أوامر. ومجازاً بمعنى الفعل يجمع على أمور. ⑤ وبالتزام تقييده: يلزم تقييده حتى يكون مجازاً. مثاله ← كلمة جناح - حرب. هما حقيقة. إن أردتهما للمجاز لزمك التقييد فتقول. جناح الذل. نار الحرب... ⑥ وتوقفه على المسمى الآخر؛ أي. المسمى الحقيقي. ملفوظاً كان أو مقدراً. مثاله ← قال تعالى "ومكروا ومكر الله". فلا يُقال مكر إبتداءً / وقوله تعالى "قل الله أسرع مكراً". أي من مكرهم. ⑦ والإطلاق على المستحيل؛ بمعنى إن تُرك اللفظ على ظاهره وحقيقته كان المعنى مستحيلا. مثاله ← قال تعالى "واسأل القرية". تحتاج إلى تقدير خلاف الحقيقة.
والمختار اشتراط السمع في نوع المجاز؛ أي: يشترط في صحة المجاز أن يكون مسموعاً مأخوذاً من لغة العرب. لا أن يُحدث من شاء ما شاء ويقول أريد بهذا اللفظ المعنى المجازي.
وهذا فقط في الأنواع (نوع المجاز)، التي سبق ذكرها. أي باعتبار هذه الأنواع كالسبب للمسبب والبعض للكل والضد... وإن اختلفت المفردات. مثاله ← قولك إسأل الوادي: لا يحتاج إلى سماع في لغة العرب، لكن إلى نوع العلاقة وهي إطلاق السبب على المسبب.
وتوقف الآمدي؛ وهو كثير التوقف كما ترى.
تعريف المعرّب وهل هو واقع في القرآن الكريم؟#
مسألة: المعرّب لفظ غير عَلَم استعملته العرب في معنى وُضع له في غير لغتهم. وليس في القرآن؛ المعرّب لفظ أعجمي نقلته واستعملته العرب في لغتها فأصبح معربا. ومعنى الكلام أنه ليس في القرآن كلام معرّب. وإنما كُله عربي محض. بإستثناء أسماء الأعلام. كإبراهيم وإسحاق... لقوله: غير علم.
* قالوا كان أولى أن يُورد الإستثناء في الأعلام بعد قوله وليس في القرآن. وهذا رأي المصنف. وفاقاً للشافعي وابن جرير والأكثر؛ وافقوا المصنف. ولهم أدلة كقوله تعالى "إنّا جعلناه قرآناً عربياً". * أما من خالف فقال في القرآن نحو ثلاثين لفظاً مُعرّبا. مثل: مشكات- سندس- استبرق... مأخوذة من الحبشية والفارسية. فردّ الفريق الأول وقالوا هي: ألفاظ مشتركة لا مُعربة.
على ماذا يُحمل اللفظ عند الإطلاق؟#
مسألة: ① اللفظ إما حقيقة: أي إمّا يكون حقيقة فقط. مثاله ← إطلاق الأسد على الحيوان المفترس المعروف. ② أو مجازاً: أو يكون مجازاً فقط. مثاله ← إطلاق الأسد على الرجل الشجاع. (ويعرفان من خلال السياق). ③ أو حقيقة ومجاز باعتبارين: فيكون اللفظ الواحد حقيقة باعتبار ومجاز باعتبار آخر. مثاله ← لفظ الدابة. هو حقيقة باعتبار اللغة وهو كل ما يدب على الأرض حتى الإنسان. ومجاز باعتبار العرف وهو الحيوان المعروف. ④ والأمران: الحقيقة والمجاز. منتفيان قبل الإستعمال؛ أي: لا يكون اللفظ لا حقيقة ولا مجازاً قبل الإستعمال. مثاله ← لفظة محدثة. توصف بالحقيقة والمجاز بعد الإستعمال وذلك راجع للتعريف. فتكون حقيقة إذا استعملت فيما وُضعت له إبتداءً، ومجازاً فيما وُضعت له ثانيا.
* سيتطرق الآن إلى تعارض كلٍّ من الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية. قال:
ثم هو: أي اللفظ. محمول على عرف المخاطِب: أي يُحمل دائماً على عُرف من صدر منه. أبداً: سواء كان إثباتا أو نفيا.
ففي الشرع الشرعي: إذا صدر اللفظ من الشارع حُمل على عرف الشارع، أي الحقيقة الشرعية. لأنه عرفه. عرف الشارع.
ثم العرفي العام: إن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية، أو صدر من أهل العرف. فيُحمل على الحقيقة العرفية العامة. ثم اللغوي: إن تعذر أو صدر من أهل اللغة، حُمل على الحقيقة اللغوية.
- الحقيقة العرفية
- الحقيقة اللغوية
(وهو قول الجمهور) مثاله ← من حلف لا يبيع الخمر. إن حُمل على الحقيقة الشرعية لا يحنث. لعدم وقوع البيع شرعاً في الخمر. وإن حُمل على العرف بحيث أراد التلفظ بالعقد حنث. / قول النبي (ص) "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب. فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصلّ". قوله. فليصل يتردد بين الحمل على الحقيقة الشرعية (الصلاة). واللغوية (الدعاء). وحسب القاعدة تقدم الحقيقة الشرعية لولا نصوص أخرى تصرفه إلى اللغوية. (الدعاء).
وقال الغزالي والآمدي في الإثبات الشرعي: أي. اتفقا على أن اللفظ إذا جاء فيه إثبات يُحمل على المعنى الشرعي كما قال الجمهور. مثاله ← قوله (ص): "لما لم يجد طعاماً عند أهله" "فإني إذاً صائم". فيُحمل الصيام على المعنى الشرعي لأنه جاء في سياق الإثبات. وفي النفي؛ أي. اختلفا في النفي. فقال: الغزالي: إذا جاء اللفظ في سياق النفي فيكون. مجمل: لا يمكن حمله على أحد المعاني لأنه متردد بينها يحتاج إلى تبيين. مثاله ← قول الشارع: لا صلاة - لا صيام... يحتاج إلى تبيين حتى يعرف الحمل هل شرعي أو عرفي أو لغوي. والآمدي: قال يُحمل في النفي على. اللغوي: أي. إذا جاء اللفظ في سياق النفي فيُحمل على المعنى اللغوي لا الشرعي.
وفي تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة: لقد علمت مما سبق أن الأصل تقديم الحقيقة على المجاز، لكن إذا كانت مرجوحة لأحد الأسباب. كَقِلَّة الإستعمال أو ضعفها أو شيوع
وشهرة المجاز عليهما... فما المقدّم؟ قال: أقوال؛ أي ثلاثة أقوال: ① تقدم الحقيقة لأنها الأصل. (أبو حنيفة). ② يُقدم المجاز لأنه أرجح. (تلميذه أبو يوسف). ③ ثالثها المختار؛ الراجح عند المصنف مجمل: لاحتمال رجحان الطرفين. فيحتاج إلى تبيين (فيتوقف فهمه على غيره).
وثبوت حكم؛ أي لديك حكم ما ثابت. مثاله ← التيمم للجماع ثابت بالإجماع. يمكن كونه مراداً من خطاب، لكن مجازاً: بمعنى يمكن إستخراج نفس الحكم (التيمم للجماع)، من نص آخر. لكن مجازاً. مثاله ← قوله تعالى "أو لامستمُ النساء...". هذا يدل على الجماع مجازاً وعلى اللمس باليد حقيقة. فإن حُمل على المجاز (الجماع) لم ينقض الوضوء باللمس، وإن حُمل على الحقيقة (اللمس) نقض. قال؛ لا يدل على أنه المراد منه، بل يبقى الخطاب على حقيقته: أي لا يؤخذ الحكم من المعنى المجازي. خلافاً للكرخي والبصري: قالوا بل يصح.
الكناية والتعريض.#
مسألة: الكناية لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى، فهي حقيقة: تكون الكناية حقيقة، إذا استعمل لفظ الكناية فيما وُضع له ليُفيد ويُراد منه غير المعنى الذي وُضع له. مثاله ← زيد كثير الرّماد. يكون حقيقة إذا كان كثير الرماد حقاً بكثرة الطبخ على الحطب وغيره... فيكون لفظ الكناية استعمل في معناه الذي وُضع له - لكن. المراد بكثير الرماد هو كثرة الكرم (فكثرة الرماد لازم للكرم). فإن لم يُرد المعنى وإنما عبّر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز: تكون الكناية مجازاً.
- الكناية مجاز
إذا استعمل لفظها في غير ما وُضع له ليُفيد لازم اللفظ المستعمل. مثاله ← زيد كثير الرماد. إستعمله في غير معناه الذي وُضع له. كالطبخ على الآلات الكهربائية. ويريد لازم معناه. (كثرة الرماد) أي كثرة الكرم.
والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوّح بغيره. فهو حقيقة أبداً: التعريض. لا مجاز فيه على قول المصنف. فهو حقيقة أبداً. مثاله ← التعريض في النكاح بأن يقول: إنّي لمثلك لراغب. ويقصدها هي.
حروف المعاني التي يحتاج إليها الفقيه لكثرة وقوعها في الأدلة.#
الحروف: ما تحتاج معرفته من الحروف، وقد ذكر بعض الأسماء كـ(كل. إذا) وقال الحروف تغليباً.
① إِذَنْ: قال سيبويه: النحوي المعروف. للجواب والجزاء؛ مثاله ← غداً أزورك. إذن أكرمك. فتكون أجبت وجعلت جوابك جزاءً (الإكرام). قال الشلوبين: أبو عمر النحوي الإشبيلي الأندلسي. دائماً؛ هي دائما للجواب والجزاء. وقال الفارسي؛ أبو علي. غالباً: أي قد تكون للجواب دون الجزاء. مثاله ← أحبك. إذن أصدقك. (لا جزاء فيها).
② إِنْ: للشرط: أي شرطية. مثاله ← قال تعالى "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم..." والنفي؛ تكون نافية. مثاله ← قال تعالى "إن أنت إلا نذير". أي ما أنت... والزيادة؛ وتأتي للزيادة. مثاله ← ما إنْ زيد قائم.
③ أَوْ: للشك: مثاله ← قوله تعالى "لبثنا يوماً أو بعض يوم". والإبهام؛ مثاله ← قال تعالى "أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً". والتخيير؛ مثاله ← قال تعالى "أو كسوتهم أو تحرير رقبة". ومطلق الجمع، مثاله ← قال تعالى: "ولا تطع منهم أثما أو كفوراً". أي هذا وهذا جميعاً. والتقسيم؛ مثاله ← كقولك. الكلمة إسم أو فعل أو حرف. وبمعنى إلى؛ مثاله ← لألزمنك أو تقضي حقي. والإضراب كـ بل: مثاله ← قال تعالى: "أو يزيدون"
قال الحريري: البصري الشافعي. والتقريب: أي وتأتي للتقريب. ثم مثّل قائلاً. نحو: ما أدري أسلّم أو ودّع.
④ أَيْ: بالفتح والسكون: من غير تشديد. للتفسير: مثاله ← قولك: أيْ كذا. ولنداء القريب أو البعيد أو المتوسط أقوال: أي فيها أقوال. أهي للقريب أم للبعيد أم للمتوسط؟ مثاله ← ما جاء في الحديث: "أيْ رب- أيْ رب..."
⑤ أَيّ: بالتشديد، الشرط؛ مثاله ← قال تعالى: "أيّما الأجلين قضيت". والإستفهام؛ مثاله ← قال تعالى: "أيكم زادته هذه إيماناً..." وموصولة: بمعنى الذي. مثاله ← قال تعالى: "ثم لننزعن من كل شيعة أيُّهم أشد على الرحمن عتياً..." ودالة على معنى الكمال: أي الصفة. مثاله ← رأيت منه كرماً وأيَّ كرم. ووصلة لنداء ما فيه (أل): مثاله ← يا أيها الناس - يا أيها المؤمنون...
⑥ إذْ: إسم للماضي ظرفاً، مثاله ← قال تعالى: "فقد نصره الله إذْ أخرجه الذين كفروا..." ومفعولا به؛ مثاله ← قال تعالى: "واذكروا إذْ كنتم قليلا فكثركم". وبدلا من المفعول؛ مثاله ← قال تعالى: "واذكر في الكتاب مريم إذْ انتبذت..." ومضافاً إليها اسم زمان؛ مثاله ← قال تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذْ هديتنا..." وللمستقبل في الأصح؛ مثاله ← قال تعالى: "فسوف يعلمون إذْ الأغلال..." (فسوف يعلمون مستقبل إذ الأغلال). وترد للتعليل حرفاً؛ مثاله ← ضربت العبد إذْ أساء. أو ظرفاً: مثاله ← أكرمتك إذْ جئتني. وللمفاجأة وفاقاً لسيبويه: مثاله ← بينا أنا كذا إذْ حصل كذا.
⑦ إذا: للمفاجأة؛ مثاله ← قال تعالى: "فألقاها فإذا هي حية تسعى..." حرفاً؛ أي هي حرف لا إسم. وفاقاً للأخفش: النحوي المعتزلي تلميذ سيبويه. وابن مالك؛ جمال الدين النحوي. وقال المبرِّد؛ محمد ابن يزيد الأزدي النحوي. وابن عصفور؛ أبو الحسن الحضرمي الإشبيلي النحوي. ظرف مكان؛ أي: هي ظرف مكان. والزجاج؛ أبو إسحاق النحوي. والزمخشري؛ المعروف. ظرف زمان: هي ظرف زمان لا مكان. (بمعنى إختلفوا في إذا). مثاله ← خرجت فإذا المطر ينزل. وترد ظرفاً للمستقبل مضمنة معنى الشرط غالباً، مثاله ← قال تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح..." وندر مجيئها للماضي والحال؛ أي قلّ. مثاله ← قال تعالى: "وإذا رأوا تجارة..." / "وإذا أظلم عليهم". (والحال): كذلك قليل. مثاله ←
قال تعالى: "والليل إذا يغشى..."
⑧ الباء: للإلصاق حقيقة: مثاله ← فلان به مرض. ومجازاً: مثاله ← مررت بك. أي بمكانٍ أنت موجود فيه. والتعدية: مثاله ← قال تعالى: "ذهب الله بنورهم". أي أذهب نورهم. والإستعانة: مثاله ← ضربت بالعصا. والسببية: مثاله ← قال تعالى: "فكلاًّ أخذنا بذنبه..." والمصاحبة؛ مثاله ← قال تعالى: "قد جاءكم الرسول بالحق..." والظرفية؛ مثاله ← قال تعالى: "نصركم الله ببدرٍ..." والبدل: أن يأتي بدل في موضعها. مثاله ← قال (ص): "ما يسرني بها حُمُر النّعم". (أي بدلها). والمقابلة: مثاله ← اشتريت الكتاب بألف. (أي مقابل ألف). والإستعلاء: بمعنى على. مثاله ← قال تعالى: "ومنهم من إن تأمنه بقنطار..." والمجاوزة؛ بمعنى عن. مثاله ← قال تعالى "ويوم تشقق السماء بالغمام..." والقسم؛ مثاله ← بالله. والغاية: بمعنى إلى. مثاله ← قال تعالى: "وقد أحسن بي..." (أي إليّ). والتوكيد، أي. زائدة تدل على التوكيد دون معنى آخر. مثاله ← قال تعالى: "وكفى بالله شهيداً...". (والمعنى كفى الله شهيداً). "وهزي إليك بجذع النخلة..." (جذع). وكذا التبعيض. وفاقاً للأصمعي والفارسي وابن مالك: الأخير. صاحب الألفية. مثاله ← قال تعالى: "عيناً يشرب بها عباد الله..." * واختلف في قوله تعالى: "وامسحوا برؤوسكم..." هل هي للتبعيض أم الإلصاق. (الأحناف + الشافعية).
⑨ بلْ: للعطف: يكون بل حرف عطف إن كان ما بعده مفرد. مثاله ← قام زيد بل عمرو. والإضراب؛ أي يكون حرف ابتداء بحيث يضرب عما سبقه من كلام. وهو قسمان. ① إما للإبطال: تأتي بل لتبطل ما قبلها. مثاله ← قال تعالى: "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق..." ② وإما للانتقال؛ تأتي بل لتنقلك عمّا قبلها من الكلام إلى ما بعدها. مثاله ← قال تعالى: "ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون، بل هم في غمرة..."
⑩ بَيْدَ: إسم مُلازم للإضافة والنصب وله معنيان: بمعنى غير؛ مثاله ← فلان كثير المال بيد أنه بخيل. وبمعنى من أجل وعليه: مثاله ← قوله (ص): "أنا أفصح العرب. بيد أني من قريش": أي من أجل. * وإن كانت هنا بمعنى (غير). فهي تشبه الذم، لكن
هي من باب تأكيد المدح.
⑪ ثُمَّ: حرف عطف؛ يدل على التشريك؛ بين المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب والحكم (التبعية). والمهلة على الصحيح؛ أي. التراخي مثاله قال تعالى: «ثم آتينا موسى الكتاب...» والترتيب خلافاً للعبادي؛ تفيد الترتيب. مثاله وقَّفت هذا على أولادي ثم أولاد أولادي.
⑫ حتّى: لانتهاء الغاية غالباً؛ أي للغاية. مثاله قال تعالى: «سلام هي حتى مطلع الفجر» وللتعليل: مثاله إجتهد حتى تنجح. وتَرِدُ للاستثناء: أي. لا يأتي بمعنى (ليس وإلّا)، إلا قليلا نادرا. مثاله قال (ﷺ): «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى...»
⑬ رُبَّ: التّكثير والتّقليل: مشتركة بين المعنيين. مثاله قال تعالى: «ربما يود الذين كفروا...». قالت العرب: رب أخ لك لم تلده أمك. ولا يَختص بأحدهما، خلافاً لمن ادعى ذلك؛ ردّاً على من قال هي أصل في أحدهما (التقليل أو التكثير).
⑭ علَى: الأصح أنها قد تكون إسماً بمعنى فوق: مثاله غدَوت من على السطح. أي من فوقه. وتكون حرفاً: لمعانٍ وهي: الإستعلاء: مثاله قال تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض...» والمصاحبة: بمعنى مع. مثاله قال تعالى: «وآتى المال على حبه...» والمجاوزة: بمعنى عن. مثاله إذا رضيت عليّ. أي عنّي. والتعليل: بمعنى بسبب. مثاله قال تعالى: «ولتكبروا الله على ما هداكم...» والظرفية: بمعنى في. مثاله قال تعالى: «واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان...» والإستدراك: مثاله فلان لا يدخل الجنة على أنه لا ييأس من رحمة الله. والزيادة: زائدة. مثاله قال (ﷺ): «والله إنّي لا أحلف على يمين.» أي يميناً.
أما علا يعلو، ففعل: إن كانت علا بالألف الممدودة فهي فعل لا حرف.
⑮ الفاءُ: عاطفة؛ حرف عطف. للترتيب المعنوي؛ مثاله قام زيد فعمرو. والذّكري؛ وهو عطف مفصل على مجمل. مثاله توضّأ (مجمل) فغسل وجهه (مفصل). وللتعقيب في كل شيئ بحسبه؛ مثاله تزوج فوُلِد له. أي عَقِب الزواج بعد الحمل. والسببية؛ مثاله قال تعالى: «فوكزه موسى فقضى عليه...»
⑯ فِي: للظرفيتين: (ظرف الزمان). مثاله قال تعالى: «واذكروا الله في أيام معدودات». و(ظرف المكان). مثاله قال تعالى: «وأنتم عاكفون في المساجد». وللمصاحبة: بمعنى (مع). مثاله قال تعالى: «ادخلوا في أمم قد خلت». والتّعليل: كالباء، واللام، بمعنى (بسبب - لأجل). مثاله قال تعالى: «لمسّكم فيما أخذتم..» والإستعلاء، بمعنى (على). مثاله قال تعالى: «ولأصلبنكم في جذوع النخل». والتوكيد؛ مثاله قال تعالى: «وقال اركبوا فيها». أي: اركبوها. والتّعويض؛ مثاله رغبت فيمن رغبت. أي. فيه. فتكون زائدة عوضاً عن أخرى. وبمعنى الباء؛ مثاله قال تعالى: «يذرؤكم فيه». أي. يُلزمكم به. وإلى؛ مثاله قال تعالى: «فردّوا أيديهم في أفواههم». ومِن؛ مثاله ذراع في الثوب. أي. منه.
⑰ كَيْ: للتعليل: بمعنى (اللام). مثاله قال تعالى: «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم». وبمعنى أنْ المصدرية؛ مثاله قال تعالى: «لكي لا تأسوا على ما فاتكم». * والفرق بينهما وبين التعليلية أنها سبقت بلام التعليل.
⑱ كُلّ: إسم؛ ليس حرف. لاستغراق أفراد المنكر؛ يعني: (كُلٌّ). تدخل على النكرة فتُفيد الإستغراق. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة». والمعرف المجموع؛ أي. تفيد أيضاً الإستغراق إذا دخلت على المعرف المجموع. مثاله كل المسلمين / كل الرجال... وأجزاء المفرد المعرف؛ أي. أيضاً هي بمعنى الإستغراق إذا دخلت على المفرد المعرف. بحيث أنها تُفيد جميع أجزائه. مثاله كل الغلام حسن.
⑲ اللّامُ: للتّعليل: مثاله قال تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس». والإستحقاق: مثاله النار للكافرين. أي: وإن دخلها عصاة الموحدين. والإختصاص: مثاله الجنة للمتقين. خاصة لهم. والملك: مثاله قال تعالى: «ولله ملك السموات والأرض». والصيرورة أي. العاقبة، مثاله قال تعالى: «فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً».
والتّمليك: مثاله وهبتُ لك ثوبي. أي: ملكتك إياه. وشِبهُه: شِبه التمليك. مثاله قال تعالى: «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً». وتوكيد النفي؛ مثاله قال تعالى: «وما كان الله ليعذبهم» والتّعدية: مثاله ما أضرب زيداً لعمرو. أي: تعدى الضرب باللام. والتّوكيد: مثاله قال تعالى: «إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى». وبمعنى إلى؛ مثاله قال تعالى: «سقناه لبلد ميت». وعلى؛ مثاله قال تعالى: «يخرون للأذقان سجداً». وفي؛ مثاله قال تعالى: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة». وعند؛ مثاله قال تعالى: «بل كذبوا بالحق لمّا جاءهم». وبعد: مثاله قال تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس». ومن؛ مثاله قولك: سمعتُ له. أي منه. وعن؛ مثاله قال تعالى: «وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه». أي: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا (وإلّا لَقيل ما سبقتمونا).
⑳ لولا: حرف معناه في الجملة الإسمية، إمتناع جوابه لوجود شرطه: يعني: بدخوله على الجملة الإسمية يكون معناه، إمتناع جوابه لوجود شرطه. مثاله لولا أبوك لضربتك. فامتنع الضرب لوجود الأب. وفي المضارعة؛ إذا دخلت لولا على جملة مصدرة بفعل مضارع أفادت: التّحضيض؛ وهو الحض والحث: مثاله قال تعالى: «لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون». كما تُفيد العرض وهو الطلب باللين. مثاله قال تعالى: «لولا أخرتني إلى أجل قريب». وفي الماضية: أي إذا دخلت على جملة مصدرة بفعل ماضٍ أفادت: التّوبيخ: مثاله قال تعالى: «لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء». وقيل ترِدُ للنفي: ذكره الهروي. فتكون مثل (لم). مثاله قال تعالى: «فلولا كانت قرية آمنت». أي. (لم يحصل إيمان القرية). (ورَدَّ الجمهور أنها هنا أيضاً للتوبيخ).
㉑ لَوْ: حرف شرط للماضي: إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت معنى الشرط. مثاله لو جئتني أكرمتك. ويقل للمستقبل؛ يقل هذا المعنى إذا دخلت على الفعل المضارع. مثاله قال تعالى:
«وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً».
* (وفي الإختلاف فيها أربعة أقوال):
① قال سيبويه؛ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره: أي. (لو) كان يقتضي وقوع فعل بَعده لوقوع غيره. فلمّا امتنع غيره ولم يَقع، امتنع الأول أيضاً، مثاله لو اجتهد الطالب لنجح. بمعنى: كان سينجح الطالب لو اجتهد، فلما امتنع الإجتهاد إمتنع النجاح.
② قال غيره؛ حرف امتناع لامتناع؛ وهي تقريباً نفس معنى ما ذكره سيبويه. بمعنى: لما إمتنع الثاني من الوقوع امتنع الأول ولم يَقع. مثاله لو جاء زيد أكرمته. فامتنع الإكرام بإمتناع المجيء. أي. إمتنع الثاني لإمتناع الأول.
③ قال الشلوبين: أحد نحاة الأندلس: لمجرد الربط: أي، لا تدل على إمتناع. وَرُدَّ قوله، بأنه جحدٌ للبديهيات. إذ كل من سمع (لو فعل) فهم إمتناع وقوع الفعل.
④ الصحيح، وفاقاً للشيخ الإمام؛ أبوه. وما سيذكره هنا هو خلاصة ما وصل إليه. كما في رسالته كشف القناع عن لو للامتناع. قال: إمتناع ما يليه: أي، ما يلي (لو) وهو (فعل الشرط)، يأتي ممتنعاً، واستلزامه لتاليه: الذي يلي فعل الشرط يكون مستلزماً للتالي. (جواب الشرط)، إما نفياً (إمتناع) أو إثباتاً. ثم فصّل وذكر التقسيمات المتعلقة بالتالي (جواب الشرط).
لأن الأول (فعل الشرط). ممتنع دائماً عنده. فقال: ① ثُم يَنتفي التالي إن ناسب ولم يخلف المتقدم غيره؛ ومعناه أن التالي. الثاني. (جواب الشرط) يكون منتفياً (ممتنعاً) بشرطين: أ. وجود المناسبة بينه وبين الأول / ب- عدم وجود بديل يَخلف الأول. ثم مَثّل: كـ: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا»: الأول ممتنع، والتالي تنطي[؟] في الشروط. عدم وجود الآلهة يقتضي عدم الفساد. إذاً المناسبة موجودة. المتقدم الذي هو (لا آلهة) لا يمكن إيجاد بديل يخلفه. إذاً التالي ينتفي أو يكون ممتنعاً بمعنى (لا فساد). ② لا إن خلفه غيره؛ بمعنى، إذا وُجد شرط المناسبة وتَخلّف الشرط الثاني وهو وُجود ما يخلف ويستبدل به المتقدم. فلا يكون منتفياً (ممتنعاً)، وإنما مثبتاً لعدم توفر كلا الشرطين. ثم مثل بقوله: كقولك؛ أي. الطائر، لو كان إنساناً لكان حيواناً؛ المناسبة موجودة. لكن المتقدم يمكن أن يستبدل بغيره. كقولك لو كان طائراً عوض إنساناً. فيكون الأول ممتنع لأنه ليس طائراً، والعلاقة موجودة والثاني مثبت لقبول المتقدم الإستبدال. بمعنى: وإن لم يكن إنساناً فهو حيوان. * هذا في إمتناع لإمتناع. والآن ينتقل إلى الإمتناع مع الثبوت. ويثبت التالي؛ أي: يكون التالي مثبت غير ممتنع في هذه الحالات: ① إن لم ينافِ وناسب بالأولى؛
㉒ لَنْ: حرف نفي؛ مثاله لن أفعل. ونصب وإستقبال؛ تنصب المضارع وتجعل زمنه للمستقبل. مثاله قال تعالى: «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً». ولا تدخل على الماضي. ولا تفيد تأكيد النفي ولا تأبيده خلافاً لمن زعمه؛ يريد الزمخشري قال: تفيد تأكيد النفي (الكشاف). وتأبيده. (الأنموذج). وترد للدعاء: مثاله قال تعالى: «فلن أكون ظهيراً للمجرمين». وفاقاً لابن عصفور: أي، ترد للدعاء.
㉓ مَا: ترد إسمية: أي. لها وحدها موضع من الإعراب. وحرفية: وهي بخلاف الإسمية. وللإسمية موارد: موصولة؛ تكون كالذي. مثاله قال تعالى: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق». ونكرة موصوفة؛ وتقدر بشيئ. مثاله مررت بما معجب لك. أي: بشيئ.
وللتّعجب؛ مثاله ما أحسن زيداً. وإستفهامية؛ مثاله قال تعالى: «وما تلك بيمينك يا موسى». وشرطية زمانية؛ مثاله قال تعالى: «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم». أي: مدة إستقامتهم لكم. وغير زمانية؛ مثاله قال تعالى: «ما ننسخ من آية أو ننسها».
* أما موارد الحرفية ف؛ مصدرية، أي: تسبك وما بعدها. مثاله قال تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم». أي: إستطاعتكم. كذلك: يقصد أن المصدرية تكون كذلك زمانية وغير زمانية. ونافية كذلك؛ مثاله قال تعالى: «وقلن حاش لله ما هذا بشراً». وزائدة كافّة؛ أي تكف الحرف الذي اتصلت به عن عمله. فتكف عن النصب كـ(إن). مثاله قال تعالى: «إنما الله إله واحد». وعن الجر كـ(رُبَّ). وعن الرفع (كقلما)، و(طالما)... وغير كافة؛ بحيث لا تؤثر في عمل ما اتصلت به. مثاله شتان ما بين زيد وعمرو.
㉔ مِن: لابتداء الغاية غالباً؛ مثاله قال تعالى: «من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى». وللتّبعيض؛ مثاله قال تعالى: «حتى تنفقوا مما تحبون». أي: من بعضه. وللتّبيين؛ مثاله قال تعالى: «ما ننسخ من آية أو ننسها». والتّعليل؛ مثاله قال تعالى: «يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق». والبدل؛ مثاله قال تعالى: «أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة». والغاية؛ أي: إنتهاء الغاية، وتكون بمعنى (إلى). مثاله قربت منه، أي: إليه. ويحتمل أن يريد المصنف كُلّاً من ابتداء وانتهاء الغاية. وتنصيص العموم؛ بمعنى: إذا دخلت على النكرة في سياق العموم أفادت النص على العموم. مثاله قال تعالى: «وما من إله إلا الله». والفصل؛ مثاله قال تعالى: «والله يعلم المفسد من المصلح».
ومرادفة الباء، مثاله قال تعالى: «ينظرون من طرف خفي». أي: بِـ. وعن؛ مثاله قال تعالى: «قد كنا في غفلة من هذا». أي: عَنْ. وفي؛ مثاله قال تعالى: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة». أي، في. وعند؛ مثاله قال تعالى: «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً». أي، عند. وعلى: مثاله قال تعالى: «ونصرناه
من القوم الذين كذبوا». أي: على.
㉕ مَن: شرطية، مثاله قال تعالى: «من يعمل سوءً يُجز به». وإستفهامية؛ مثاله قال تعالى: «فمن ربكما يا موسى». وموصولة؛ مثاله قال تعالى: «ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض». ونكرة موصوفة؛ مثاله مررت بمن معجب لك. قال أبو علي؛ الفارسي. ونكرة تامة؛ مثاله ونعم من هو في سر وإعلان. يقصد أنها تكون في مقابل النكرة الموصوفة.
㉖ هل: حرف إستفهام، لطلب التصديق الإيجابي؛ أي: يستفهم بها عن التصديق في الإثبات. مثاله هل جاء زيدٌ؟ لا التّصوري؛ أي. لا يُستفهم بها عن التصور. كالإستفهام عن ماهية الشيئ والمفردات. مثاله هل فلان في البيت أم لا؟. لأن هذا موضع الهمزة لا هل. فتقول أفلان في البيت... ولا التصديق السلبي؛ أي. لا يستفهم بها عن النفي. وهذا أيضاً موضع الهمزة. مثاله هل ليس أحد في البيت. والصحيح: أليس أحد...
㉗ الواو: حرف العطف لمطلق الجمع؛ وهو الصحيح. بمعنى أنها ليست للترتيب. ولا للمعية ولا للتقديم ولا التأخير. وإنما لمطلق الجمع. مثاله قال تعالى: «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق...». لا تفيد ترتيباً وإنما مطلق الجمع. وقيل للمعيّة؛ مثاله قولك: دخل زيد وعمرو. أي، معاً في آن واحد. وهذا مرجوح. وقيل للترتيب؛ ذكره للإشارة إلى الخلاف الحاصل بين العلماء في دلالة الواو. (لكن هذا مستبعد شاذ).
باب الأمر والنهي.#
الأمر: أ.م.ر: يريد هذا اللفظ المكون من هذه الحروف الثلاثة أما مدلوله فسيذكره في الحد. وهذا اللفظ هو ① حقيقة في القول المخصوص؛ أي: هو حقيقة لا مجاز، في كل قول يقتضي طلباً. مثاله قال تعالى: «وأمر أهلك بالصلاة». أي: قُل لهم.
② مجازاً في الفعل؛ أي. إذا أُطلق الأمر على الفعل يكون مجازاً لا حقيقة. مثاله قال تعالى: «أتعجبين من أمر الله». أي: من فعله. ③ وقيل للقدر المشترك؛ بين القول المخصوص والفعل، وهو كون أ.م.ر. لتضمن جزءاً من المعنى حقيقة في كليهما. مثاله القدر المشترك بين الأسد والإنسان هو الشجاعة. القدر المشترك بين القول المخصوص والفعل هو كونه شيئٌ (قول شيئ وفعل شيئ). ④ وقيل مشترك بينهما؛ أي: إشتراكهما في المعنى الحقيقي، فيكون حقيقة في كليهما. كلفظ العين والقرء... ⑤ قيل: وبين الشأن والصفة والشيئ، أي: لفظة: أ.م.ر. مشتركة بين معنى الشأن. ومعنى الشيئ. ومعنى الصفة. مثاله قال تعالى: «وما أمر فرعون برشيد». / لأمر ما يسوّد من يسود. أي. لصفة ما. / تحرك هذا الجسم لأمر. أي. لشيئ.
وحدُّه: تعريفه إصطلاحاً؛ * ما تقدم من الكلام في (أمْر) هو بحسب ما يقتضيه لفظه، وما سيأتي هو بحسب ما يقتضيه مدلوله.
إقتضاء فعل: أي طلب فعل. ويشمل الأمر والنهي. وتخرج الإباحة وغيرها مما يستعمل فيه صيغة الأمر وليس أمراً. غير كفّ: يخرج النهي فهو طلب الكف. مثاله قولك: دَعْ، أترك، كفّ عن كذا. هذا ليس أمراً عندهم وإن كانت صيغته صيغة أمر. مدلول عليه بغير كف: فيخرج كل ما كان مدلوله طلب الترك لا الفعل: كـ كُفّ ومرادفاتها مثل. دع - اترك - ذر... فهذا لا يعتبر عندهم من جنس الأمر. * سؤال: هل يشترط في الأمر العلو والإستعلاء؟ أربعة أقوال.
① ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء: وهو الراجح عند المصنف، عدم اعتبار كليهما. والمراد بالعلو: كون الطالب أعلى من المطلوب منه فهو صفة للمتكلم. والمراد بالإستعلاء: كون الطلب بغلظة وتعاظم فهو صفة للكلام. ② وقيل: قال به القشيري والقاضي عبد الوهاب. يعتبران؛ أي يشترط في الأمر كل من العلو والإستعلاء.
③ واعتبرت المعتزلة وأبو اسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني العلو؛ أي: اعتبروا العلو فقط دون الإستعلاء. فإن كان مساوٍ فالتماس. أو دونه فسؤال أو دعاء.
④ وأبو الحسين والإمام الرازي، والآمدي وابن الحاجب. الإستعلاء: أي: اعتبار الإستعلاء دون العلو.
واعتبر أبو علي الجبّائي وابنه أبو هاشم الجبائي إرادة الدلالة باللفظ على الطلب؛ بمعنى أن الإرادة شرط في الأمر. فيشترط أن يكون الآمر مريداً للأمر. * إحترازاً من المعاني المتعددة التي اشتمل عليها الأمر في اللغة كالتهديد والتسخير والتعجيز... ومثاله النائم يأمر ولا يُعدّ كلامه أمراً لإنعدام الإرادة فيه.
لكنهم بنوا على هذا مسائل العقيدة فقالوا: أن الله عز وجل ما أراد كثيراً من الأشياء مع أمره بها. ومثّلوا: أمر الله أبا لهب بالإيمان مع علمه موته على الكفر. فبما أن الله ما أراد إيمانه فهذا إذاً ليس أمراً. (والإشكال ناتج عن عدم التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية).
والطلب بديهي: قاله السبكي: إدراك معنى الطلب شيئ بديهي لا يحتاج إلى إرادة. فكل أحد يفرق بالبديهية بين طلب الفعل أو الترك أو الخبر أو غيره. ثم قال:
والأمر غير الإرادة. خلافاً للمعتزلة: إذا المعتزلة قالوا: الأمر هو الإرادة (كما مر). وقال الأشاعرة: بل الأمر غير أو خلاف الإرادة. فقالوا: الميت على الكفر مأمور بالإيمان بلا شك. وهو غير مراد منه. إذ لو أريد منه لم يختلف. (نقول بل أريد منهم شرعاً لا كوناً).
فتفريقهم بين الأمر والإرادة مطلقاً لا يستقيم ويورد إشكالات أيضاً. والصحيح عدم نفيه إطلاقاً وعدم إثباته إطلاقاً.
الإختلاف في الكلام النفسي.#
مسألة: في الخلاف الذي حصل في صيغة الأمر (إفعل). القائلون بالنفسي: وهم الأشاعرة، أثبتوا لله كلاماً نفسياً لا بحرف ولا لفظ ولا صوت وقالوا: القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله. في حين نفى المعتزلة صفة الكلام لله وقالوا: القرآن مخلوق. (والمراد هنا الأشاعرة). اختلفوا. هل للأمر صيغة تخصه؟ بمعنى، إذا كان كلام الله
نفسي لا لفظ، والقرآن عبارة عن كلام الله، فهل للأمر صيغة تخصه في اللسان العربي؟ إختلفوا. ① والنفي عن الشيخ: الشيخ أبو الحسن الأشعري نفى أن تكون للأمر صيغة تخصه. (فيكون قولك افعل. يحتمل الأمر والنهي). فقيل: أي المحققون لمذهبه تفصيلاً لكلامه قالوا. للوقف: أي. نفى للأمر صيغة تخصه لأنه توقف ولم يتضح له حقيقة صيغة افعل (الأمر) على ماذا تدل. وقيل للإشتراك: أي. نفى للأمر صيغة تخصه لمّا وجد أن الأمر يشترك فيه أكثر من معنى. فهو للطلب والإباحة والتهديد.... والخلاف في صيغة (أفعل)؛ بمعنى: قولك: أمرتك - نهيتك... هو من صيغ الأمر بلا خلاف. إنما الخلاف في صيغة (افعل)، كقولك: قُم - اذهب... هل هي موضوعة في اللغة للدلالة على الأمر خاصة أم لا؟
وتَرِدُ: أي صيغة افعل (الأمر) جاءت في النصوص الشرعية واللسان العربي لهذه المعاني التي ستذكر وهي ست وعشرون معنا.
للوجوب: مثاله «وأقيموا الصلاة» والندب: مثاله: «فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً». والإباحة؛ مثاله «كلوا من الطيبات». والتهديد: مثاله «إعملوا ما شئتم». والإرشاد: مثاله «واستشهدوا شهيدين».
* قيل الإرشاد يتعلق بمصلحة دنيوية فلا ثواب. أما الندب فبمصلحة أخروية.
وإرادة الإمتثال: مثاله قولك للخادم اسقني ماءً. فيحدث لك إرادة السقي. والإذن: مثاله قولك لمن استأذن الدخول: أدخل (كأنه قسم من الإباحة). والتأديب: مثاله «كل مما يليك». (كأنه قسم من الندب). والإنذار: مثاله «قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار». (كأنه قسم من التهديد). والإمتنان: مثاله «وكلوا مما رزقكم الله». (كأنه قسم من الإباحة). والإكرام: مثاله «ادخلوها بسلام آمنين». والتسخير: مثاله «كونوا قردة خاسئين». (وهي النقل إلى حالة مذلة). والتكوين: مثاله «كن فيكون». والتعجيز: مثاله «فأتوا بسورة من مثله». والإهانة: مثاله «ذق إنك أنت العزيز الكريم». والتسوية: مثاله «فاصبروا أو لا تصبروا» والدعاء: مثاله «اللهم اغفر لي». والتمني: مثاله قال أمرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي... والإحتقار: مثاله «ألقوا ما أنتم ملقون». والخبر: مثاله «إذا لم
تستح فاصنع ما شئت...». والإنعام: مثاله «كلوا من طيبات ما رزقناكم». والتفويض: مثاله «فاقض ما أنت قاض». والتعجب: مثاله «قل كونوا حجارة». والتكذيب: مثاله «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين». والمشورة: «فانظر ماذا ترى». والإعتبار: مثاله «انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه».
① والجمهور: حقيقة في الوجوب: أي أن قول الجمهور. وهو الراجح وما كان عليه السلف: أن الأمر بصيغة إفعل للوجوب حقيقة. وفي باقي المعاني المذكورة مجاز. لا يُحمل على أحد منها إلا بقرينة. لغة أو شرعاً أو عقلاً: فهل دلالته على الوجوب حقيقة هي من حيث اللغة أم الشرع أم العقل؟ قال: مذاهب: أي فيه خلاف. لكنهم متفقون على أنه للوجوب.
② وقيل في الندب: أي. أن الأمر بصيغة إفعل هو حقيقة في الندب لا الوجوب. لأنه المتيقن. فكل من الوجوب والندب يشتركان في الطلب وزيادة الإلزام في الوجوب غير متيقنة.
③ وقال الماتوريدي: أبو منصور للقدر المشترك بينهما: والقدر المشترك بين الندب والوجوب هو الطلب. فهو للطلب.
④ وقيل: ينسب للمرتضى من الشيعة. مشتركة بينهما: أي: حقيقة في كل من الوجوب والندب. ⑤ وتوقف القاضي: الباقلاني والغزالي والآمدي فيهما: التوقف وعدم الفصل في أي صيغة (معنا) هو حقيقة ⑥ وقيل: مشتركة فيهما وفي الإباحة، أي حقيقة في الوجوب والندب والإباحة ⑦ وقيل: في الثلاثة والتهديد: أي الوجوب والندب والإباحة والتهديد ⑧ وقال عبد الجبار: القاضي المعتزلي لإرادة الإمتثال: أي. أنها حقيقة في إرادة الإمتثال. والإمتثال يتحقق في الوجوب والندب ⑨ وقال الأبهري: أبو بكر شيخ المالكية. أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب: الأبهري يقول أن أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم قسمان: إن كان موافقا لنص أو مبيناً لمجمل فهو للوجوب أما إن كان مبتدأ، أي لم يسبقه أمر قرآني فهو للندب ⑩ وقيل مشتركة بين الخمسة الأُوَل؛ أي: الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد ⑪ وقيل بين الأحكام الخمسة: أي الأحكام التكليفية.
* اهتمام الأصوليين بدلالة الأمر
من ناحية الحكم. الواجب - الندب = الإباحة ،،
من ناحية الزمن. فوراً أو تراخياً.
من ناحية العدد. مرة أو تكراراً.
⑫ والمختار وفاقا: أي الراجح عند السبكي موافقا فيه للشيخ أبي حامد الإسفراييني وإمام الحرمين: الجويني: حقيقة في الطلب الجازم؛ والفرق بينه وبين الوجوب. هو أن الوجوب طلب جازم مع ترتب العقاب، والطلب الجازم الذي يريده. هو بغض النظر عن ترتب العقاب. (أي من حيث اللغة). فإن صدر من الشارع أوجب الفعل: بمعنى: أن الأصل في صيغة افعل للطلب الجازم. فإن جاء هذا الطلب الجازم في نص شرعي كان للوجوب. (استحق تاركه العقاب).
وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث: بمعنى: إذا وردت صيغة الأمر في نص شرعي من غير قرائن. فهل يجب عليك أن تعتقد أنها للوجوب قبل أن تبدأ في البحث عن قرائن قد تكون صارفة لها إلى المعاني الأخرى. كالندب والإباحة ...؟ خلاف العام: أي هذه المسألة هي مثل مسألة وجوب اعتقاد عموم العام قبل البحث عن مخصص. (فأحال إليها لأنها ستأتي في العام).
فإن ورد الأمر بعد حظر: مر معك أن الأمر للوجوب. لكن إذا جاء الأمر بعد حظر (نهي، تحريم) ففيه أقوال. قال الإمام. أو استئذان: أي الإمام الرازي قال: إذا ورد الأمر بعد حظر أو إستئذان فحكمه ① فللإباحة: فحينئذ يكون للإباحة لا الوجوب. ② وقال أبو الطيب والشيرازي.. والسمعاني والإمام: الرازي للوجوب: وهذا هو القول الثاني الذي ذكره ③ وتوقف إمام الحرمين: القول الثالث للجويني وهو التوقف. فلا يقول مطلقا لا بالوجوب ولا الندب ولا الإباحة.
* المصنف اقتصر على هذه المذاهب الثلاث. وهناك مذاهب أخرى لم يذكرها. ④ قيل: للاستحباب ⑤ وقيل: إذا جاء بصيغة افعل فهو للإباحة وإذا جاء بصيغة صريح الأمر كقولك أمرتك فهو للوجوب. ⑥ وقال شيخ الإسلام: هو لما كان عليه قبل الحظر. فما كان قبل الحظر للإباحة رجع الى الإباحة وما كان للوجوب رجع إلى الوجوب وهكذا... وقيل غيره.
أما النهي بعد الوجوب: هذه المسألة هي عكس التي قبلها. وهي في الأمر الواجب ورد بعده نهي. مثاله "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية" فيه وجوب الوصية للوالدين والأقربين. جاء النهي بعدها بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث".. فما الحكم ؟؟ قال:
① فالجمهور: للتحريم: لأن الذي عليه عامة الفقهاء أن النهي إذا جاء بعد أمر يُعد ناسخًا له. فيبطل الحكم السابق وتزول دلالة الأمر فيبقى النهي (التحريم). * لم يقولوا بالتحريم في الأمر بعد الحظر. لأن النهي أقوى من الأمر وآكد ② وقيل: للكراهة: كأن النهي بعد الوجوب تضعف دلالة من التحريم الى الكراهة. ③ وقيل: للإباحة: هذا القول سوى بين المسألتين. فجعل كلا من الحظر بعد الأمر والأمر بعد الحظر للإباحة ④ وقيل: لإسقاط الوجوب: بمعنى. أن الحظر يُضعف الأمر الذي سبقه فيرفع عنه الوجوب. فيبقى الاستحباب أو الإباحة وقد يقوى النهي فيحمل على التحريم.
⑤ وإمام الحرمين الجويني على وقفه: أي. كما توقف هناك، توقف هنا والسبب واحد. إستوى عنده المذهب في المسألتين.
ما يفيد الأمر المطلق عن القرينة.#
مسألة: انتهى من مسألة دلالة الأمر من حيث الحكم. وسيشرع الآن في دلالة الأمر من حيث العدد. هل يراد به الامتثال مرة أو التكرار. وذكر الخلاف فيه ثم دلالته من حيث الزمن. هل للفور أم للتراخي.
(والكلام عن الأمر المطلق الذي لم يقيد بمرة ولا تكرار)
① الأمر لطلب الماهية: أي هو لطلب حقيقة الشيئ وإيجاده وفعله. لا لتكرار ولا لمرة: لا يدل لا على مرة ولا على تكرار والمرة ضرورية: أي المرة الواحدة لابد منها في الامتثال. فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا من مدلوله. (لا يدل عليها وإنما ضرورة في إيجاد الفعل).
② وقيل: المرة مدلوله: أي أن الأمر يدل على المرة بلفظه فلا يُحمل على التكرار إلا بدليل * نتيجة القولين واحدة. الأول يقول أنها تحصل ضرورة والثاني يقول بل بالدلالة ③ وقال الأستاذ: الإسفراييني والقزويني: للتكرار مطلقا: أي يدل على التكرار سواء كان مطلقا أو قيد بشرط أو بسبب أو بصفة فهو للتكرار. أي الامتثال مرات ومرات.
④ وقيل: إن علق بشرط أو صفة: الأمر المعلق بشرط أو صفة يقيد
التكرار. (وهذا ليس موضع البحث. لأن الكلام في الأمر المطلق). مثاله المعلق بشرط: "وإن كنتم جنبًا فاطهروا". وجوب تكرار الطهر مع تحقق شرط الجنابة. مثاله المعلق بصفة: "والسارق والسارقة فاقطعوا.." وجوب تكرار القطع مع تحقق الصفة ⑤ وقيل: بالوقف: أي: التوقف في دلالة الأمر من حيث العدد. هل هي للتكرار أو المرة وهو أيضا قول إمام الحرمين.
ولا لفور: أي. الأمر لطلب الماهية، لا لتكرار، ولا لمرة، ولا لفور. ويريد دلالة الأمر من حيث الزمن. هل تقتضي الامتثال على الفور أم التراخي ؟؟
① المصنف رجح كون الأمر لطلب الماهية من حيث الزمن كما فعل في المسألة السابقة. فلا يفيد الفور ولا التراخي (والزمن من ضرورات الفعل). خلافاً لقوم: وهما قسمان ② منهم من قال هو للفور كبعض الأحناف وبعض الشافعية وجمهور المالكية وهو المذهب عند الحنابلة.
③ ومنهم من قال للتراخي كالغزالي والطبري وغيرهما * والراجح الذي عليه الكثير من الفقهاء والأصوليين. هو ما حكاه السبكي ④ وقيل: للفور أو العزم: أي أن الأمر يجب على الفور. أو العزم على الفعل بعده. وهو إختيار الباقلاني ⑤ وقيل مشترك: بين الفور والتراخي. والمُبادِرُ مُمتثل: أي. وإن لم يكن الأمر للفور. فإن المبادر الذي يأتي بالأمر في أول الوقت (الفور). يكون قد امتثل. خلافا لمن منع ومن وقف: أي خلافاً لمن منع دلالة الأمر على الفور. المبادر عنده ليس ممتثلا. لاحتمال إيقاع الأمر على غير مراد الأمر. وخلافاً لمن توقف. فكون دلالة الأمر عنده محتملة. منع امتثال المبادر.
الأمر يستلزم القضاء ومسائل أخرى.#
مسألة: هل القضاء (قضاء عبادة فائتة = صلاة - صيام...) يحتاج إلى دليل؟ أم أن الأمر بالأداء يستلزم القضاء ؟؟.
(هذه المسألة في العبادات المؤقتة بأوقات محددة).
الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر يستلزم القضاء: أي. الأمر بأداء العبادة في وقت معين يستلزم قضاءها إن فات وقتها من غير دليل آخر. وقال الأكثر: القضاء بأمر جديد: أي. لا قضاء فيما لا نص في وجوب قضائه، والعبادة تفتقر في وجوب القضاء إلى نص غير نص الأداء. (الجمهور)
والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء: أي. الأصح أن المكلف إذا امتثل وأتى بالمأمور به أجزاه. لأن الإجزاء عند الجمهور هو مجرد الامتثال والكفاية في سقوط الطلب. قوله والأصح يشير إلى الخلاف مع المعتزلة: هم قالوا أن الإجزاء هو سقوط القضاء. فمجرد الامتثال لا يستلزم الإجزاء. وإنما التأكد من سقوط القضاء.
وأن الأمر بالأمر بالشيئ ليس أمراً به: أي والأصح. أنه إذا جاء أمرٌ لشخص بأن يأمُر شخصاً آخر بشيئٍ. كقولك مُرْهُ بكذا. فالشخص الثاني ليس مأموراً. وهذا يستقيم لغة. أمّا في الشرع فهو مأمور. مثاله "مُرها لتغتسل". "مُرها فلتصبر ولتحتسب". "مُرْهُ فليراجعها". الأمر موجه للثاني من الشارع والأول مجرد ناقل مُبلغ. أما ما أشكل في قوله صلى الله عليه وسلم "مروا أولادكم بالصلاة لسبع". فالأولاد امتنع عنهم الأمر لكونهم خارج دائرة التكليف. (أما الأصل. هو أن الأمر بالأمر بالشيئ شرعاً هو أمْرٌ به).
وأن الآمِر بلفظ يتناوله داخل فيه: أي والأصح: أن الآمر إذا أمر غيره بلفظ يتناوله هو أيضاً فيدخل تحت هذا الأمر. مثاله السيد أمر عبده أن نكرم كل من في الدار. والسيد موجود في الدار. فيشمله هو أيضاً الإكرام. (والصحيح عند الأصوليين أنه لا يدخل).
وأن النيابة تدخل المأمور: أي أن العبادات المأمور بها تجوز فيها النيابة. مثاله الزكاة. يكلف من يؤديها عنه. وكذلك الحج ينوب عنه غيره... إلا لمانع: ليخرج الصلاة والاعتكاف والصوم مما يحول من النيابة. * قال أهل العلم هذه المسألة ليست تأصيلا وإنما هي مجرد كلام فقهي.
الأمر النفسي هل هو نهي عن ضده الوجودي ؟#
مسألة: أي. المشهورة عند طلبة العلم: (هل الأمر بالشيئ نهي عن ضده ؟).
① قال الشيخ: الأشعري. والقاضي: الباقلاني، الأمر النفسي هذا راجع الى المسألة العقدية المتعلقة بكلام الله. فالأمر والنهي عنده ليس كلام الله وإنما عبارة عن كلام الله. ولذلك عبّر بالأمر النفسي. بشيئ معين: احترازا من الغير معين كالواجب الموسع والمخير. (الأمر بهما ليس نهيا عن الضد). نهي عن ضده: أي: هو عين النهي عن ضده. الوجودي: احترازاً من النقيض. أو الضد العدمي وهو ترك المأمور. مثاله الأمر بالإيمان نهي عن ضده الوجودي الذي هو الشرك لا العدمي الذي هو ترك الإيمان من غير التلبس بالشرك.
② وعن القاضي: أي قول آخر للباقلاني: يتضمنه: أي أن الأمر بالشيئ يتضمن النهي عن ضده وليس هو عين النهي عن ضده. (والنتيجة واحدة). وعليه: أي: وعلى هذا القول الثاني للباقلاني. عبد الجبار المعتزلي وأبو الحسين المعتزلي والإمام الرازي والآمدي:
③ وقال إمام الحرمين الجويني والغزالي: لا عينه ولا يتضمنه: أي: لا علاقة للأمر بالنهي بل هو مستقل يتوقف على دليل يخصه ولا يُستدل بالأمر للنهي. ④ وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط: أي. أنه خاص بأمر الوجوب أما أمر الاستحباب فلا يتضمن النهي. (أي الكراهة).
* والصحيح أن الأمر بالشي نهي عن جميع أضداده. (من حيث المعنى لا اللغة). مثاله أمرك بالقيام نهي عن جميع الأضداد من جلوس واضطجاع...
* والنهي عن الشيئ أمرٌ بأحد أضداده. مثاله النهي عن الزنى أمر بالنكاح. أو الصبر أو الصوم...
أما اللفظي: إنتهى من الأمر النفسي ويقصد به أوامر الشرع. انتقل الى الأمر اللفظي. قال: فليس عين النهي قطعاً: أي: اتفقوا على أن صيغة اللفظ في الأمر ليست هي صيغة النهي.
ولا يتضمنه على الأصح: فرجح أن صيغة اللفظ في الأمر لا تتضمن النهي مشيراً إلى من يرى أن النهي يأتي متضمناً في صيغة الأمر.
أما النهي فقيل: أي. أن مسألة النهي عن الشيئ أمر بضده
ينزل عليها الخلاف السابق أيضاً. ① أمر بالضد: أي أن النهي عن الشيئ أمر بضده قطعا. وقيل على الخلاف: أي أنه على الخلاف الذي سبق في الأمر.
حكم تعاقب أمرين:#
مسألة: في الأمر المتكرر. بمعنى، إذا ورد الأمر الشرعي مكرراً. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم "تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا..." مسلم. قال:
- ① الأمران غير متعاقبين: أي: الأمران الذين لم يأتيا في موضع واحد. مثاله أمر الشارع بالصلاة في موضع وتكراره لنفس الأمر في موضع آخر. أو بغير متماثلين: أي، أمران متعاقبين في نفس الموضع لكن مختلفان. مثاله قوله "صلوا واذكروا...". فما الحكم ؟؟ قال: غيران: أي: هذا غير هذا في الحكم. بمعنى يُعمل بهما معا ويكون الثاني مؤسساً لحكم جديد غير الأمر الأول. (باتفاق).
- ② والمتعاقبان بمتماثلين: تكرار نفس الأمر في نفس الموضع مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا..." ولا مانع من التكرار: أي، ولا يمتنع عقلا ولا لغة ولا شرعاً من تكرار الصدقة. والثاني غير معطوف: أي: لا يفصل هذه الأوامر المكررة حرف عطف. قيل معمول بهما، ① أي: التأسيس فيعمل بكليهما. تطبيقاً لقاعدة التأسيس أولى من التأكيد. لإفادة لمعنى جديد. ② وقيل تأكيد: أي ما زاد عن الأمر الأول يفيد معنى جديداً وإنما هو تأكيد له ③ وقيل: بالوقف: لاحتمال كل من التأسيس والتأكيد وعدم الترجيح.
- ③ وفي المعطوف التأسيس أرجح: أي في الأمران المتعاقبين المتماثلين بينهما حرف عطف. مثاله تصدقوا وتصدقوا. الراجح عنده التأسيس لا التأكيد. وقيل التأكيد: وهو مرجوح عنده أشار إليه بصيغة التمريض. فإن رجح التأكيد بعادي قُدِّم: أي أن يكون هناك مرجح للتأكيد بأمر عادي. فحينها يقدم التأكيد على التأسيس. مثاله
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أعاد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه.
وإلا فالوقف: إن لم يترجح التأكيد وتساوى بالتأسيس فيجب التوقف.
مباحث النهي.#
النهي: عرفه في شقين. الأول هو ما اقتصر عليه الكثير من الأصوليين وهو: إقتضاء كف عن فعل: أي كل قول فُهم من دلالته الكف والتوقف عن الفعل فهو نهي. ويُتقدم بأداة النهي (لا). والنهي لفظي. لا نفسي كما تقرره الأشاعرة والماتوريدية. مثاله "لا تأكلوا الربا". والشق الثاني، لا بقول كف: وكان عليه أن يقول ومافي معناه. كدَع - ذر - حاذر - إياك. وقد أخرج كف وأخواتها من التعريف. لأنها أفعال أمر جاءت بصيغة الأمر وإن دلّت على الكف. لذلك جعلها ضمن دلالة الأمر لا النهي نظراً لصيغتها.
* صيغة النهي: لا تفعل. لا ناهية بعدها فعل مضارع وله صيغ أخرى كالكف ومافي معناه وغيره.
وقضيته: أي: مقتضى النهي. قولان: ① الدوام مالم يقيد بالمرة: أن النهي يقتضي الاستمرارُ في الكف والترك والامتناع. إلا أن يقيد بمرّة فيحمل عليها. مثاله قولك: لا تصم. يقتضي الدوام. وقولك: لا تصم غداً: يحمل على المرة. فالمنع غداً فقط ② وقيل: مطلقاً: أي: النهي يقتضي الدوام مطلقاً. وإن جاء تقييد بالمرة. فيكون قرينة ويحمل عليها. فتكون النتيجة في القولين واحدة. والخلاف في تصوير المسألة فقط.
وترد صيغته: أي. صيغة النهي وهي لا تفعل. للتحريم: وهو الأصل وعليه أكثر النصوص الشرعية. مثاله قال تعالى: "لا تقربوا الزنا".
* باقي المعاني تحتاج إلى قرائن لصرف النهي من التحريم إليها.
والكراهة: مثاله قال تعالى "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"،
والإرشاد: وهو ما كان النهي فيه عن شيئ فيه مصلحة دنيوية لا دينية. مثاله قال تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم".
والدعاء: مثاله قال تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا".
وبيان العاقبة: مثاله قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل أحياء". والتقليل والاحتقار: مثاله قال تعالى: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به...". واليأس: مثاله قال تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم".
وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر: بمعنى: هل يشترط في النهي إرادته أم يحصل بصيغته ولفظه فقط؟ وهل صيغة النهي حقيقة في التحريم أم في الكراهة أم مشتركة؟ قال: يتخرج الخلاف هنا في النهي كالمتخرج هناك في الأمر. فترجع إليه لتقرر فيه.
ثم انتقل لذكر صور النهي في النصوص الشرعية وهي أربعة:
① وقد يكون عن واحد: عن منهي واحد. مثاله قال تعالى: "لا تقربوا الزنا".
② ومتعدد جمعا: أي. النهي عن أكثر من واحد حال الجمع فقط. مثاله قال تعالى: "وأن تجمعوا بين الأختين". (بحيث لا نهي عند الفصل). كالحرام المخير: مثل بهذا المثال. لكن بعض الأصوليين لا يرتضيه لما فيه من إشكال. ومثال الجمع بين الأختين أوضح. ③ وفرقاً: وهو عكس الذي سبق. أي. النهي عن أكثر من واحد حال الفرق والفصل بينهما. (ولا نهي عند الجمع). مثاله قوله: كالنعلين تلبسان أو تنزعان ولا يفرق: وذلك لما في الصحيحين. أن النهي في النعلين هو عند الفصل بينهما بلبس أحدهما ونزع الآخر. ولا نهي عند الجمع لبساً ونزعاً. ④ وجميعاً: أي. النهي عن متعدد في حالتي الجمع والفصل. مثاله كالزنا والسرقة: فالنهي عن الواحد منهما وكذا الجمع بينهما.
* سيتطرق الآن إلى مسائل في النهي. فهل النهي عن الشيئ يقتضي فساده؟ وهل هو فساد شرعي أو لغوي أم معنوي؟ وهل الفساد نفسه في العبادات والمعاملات أم يختلف؟ قال:
ومطلق نهي التحريم، وكذا التنزيه: إذا أريد النهي الذي جاء في النصوص الشرعية مطلقاً. سواء كان نهي تحريم أو تنزيه أو كراهة. فيخرج ما كان مقروناً بقرينة تدل على صحة أو فساد
المنهي عنه. فهذا واضح بالقرينة ولا خلاف فيه. أما الكلام فهو في النهي المطلق. (وهذا في العبادات لقوله بعده قليل فيما عدا المعاملات).
في الأظهر للفساد: إذن النهي المطلق (تحريم+تنزيه) يقتضي فساد العبادة ① شرعاً: أي. الفساد مستفاد من نصوص الشرع. فلا يكون هذا الحكم لغير نصوص الشرع ② وقيل: لغة: أي. هذا الفساد الذي يقتضيه النهي في نصوص الشرع مستفاد من اللغة. وبالتالي يشمل غير نصوص الشرع كالكلام. مثاله قول الوالد لولده: لا تفعل يقتضي فساد ما نهاه عنه. ③ وقيل معنى: أي. أن الفساد ليس مستفاد من لفظ وصيغة النهي، وإنما هو مقتضاه بالمعنى.
فيما عدا المعاملات: أخرج المعاملات وسيعود للتفصيل فيها. مطلقاً: النهي في العبادات يقتضي الفساد مطلقاً. مثاله من قضى فرضا أو نافلة فائتة في وقت منهي لم يصح. وفيها: (عاد الآن ليفصل في المعاملات). أي: وفي المعاملات كذلك النهي يقتضي الفساد لكن بقيود. ما هي؟ قال ① إن رجع: (جملة إعتراضية). معناه: إن رجع النهي إلى أمر داخل المعاملة اقتضى الفساد. مثاله النهي عن بيع الحمل في بطن أمه. يدل على الفساد. لأنه راجع إلى أمر داخل المعاملة.
② قال بن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل: أي: كذلك يقتضي الفساد. مثاله النهي عن بيع الطعام قبل قبضه. (بيع ما لا يملك). مع احتمال رجوعه إلى ملكه بالقبض. ③ أو لازم: يقتضي الفساد كذلك إذا كان النهي راجع إلى أمر لازم للمعاملة. (راجع إلى الوصف). مثاله النهي عن بيع الدرهم بدرهمين. فالنهي ليس راجعاً إلى أصل الدرهم وإنما إلى وصف لازم له وهو الزيادة. وفاقاً للأكثر: هذا ما عليه أكثر الفقهاء عدا أبا حنيفة. وقال الغزالي والإمام الرازي في العبادات فقط: أي: النهي يقتضي الفساد في العبادت فقط. أما المعاملات فالفساد فيها ليس راجعاً إلى النهي وإنما إلى الإخلال أو فوات شرط أو ركن منها. ④ فإن كان لخارج: إذا كان النهي راجع إلى أمر خارجي. لم يفد عند الأكثر: لا يقتضي فساداً. مثاله قوله: كالوضوء بمغصوب: فالماء المغصوب ليس من الوضوء وإنما خارج عنه.
* استشكال: الوضوء عبادة. والمصنف قرر قبل أن النهي في العبادة يقتضي الفساد مطلقاً. سواء كان راجعا إلى الأصل أو الوصف (خارج+داخل)
والتفصيل إنما كان في المعاملات، وفاقاً للأكثر. فكيف يخرج الآن عمّا قرره ؟؟؟
وقال أحمد: الإمام بن حنبل يفيد مطلقاً: أي. النهي يفيد الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات لأمر خارجي كان أو داخلي.
ولفظُهُ حقيقة: أي. أن حقيقة لفظ النهي تدل على الفساد في كل صورها. ثم استدرك فقال، وإن انتفى الفساد: أي. إن كانت هناك حالة جاء فيها النهي ولم تقتض فساداً. (صح العقد). قال، فلدليل: أي. هذا الفساد إنما دفعه الدليل. مثاله طلاق الحائض كما في حديث بن عمر لما طلق امرأته الحائض: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: "مره فليراجعها". فالطلاق في الحيض منهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفساد هذا الطلاق يعني عدم وقوعه لكن الدليل وهو قوله: "مره فليراجعها" رفع هذا الفساد فوقع الطلاق. إذ الرجعة فرع عما وقوع الطلاق.
وأبو حنيفة: لا يفيد مطلقاً: عكس مذهب أحمد. النهي لا يقتضي الفساد لا في العبادات ولا في المعاملات. خارجاً كان أو داخلاً. * ثم فصل وفرق بين ما هو منهي عنه لعينه وما هو منهي عنه لوصفه. إذ أن الأول يقتضي البطلان فلا يصح، والثاني الفساد فيصحح. قال: نعم، المنهي لعينه غير مشروع: أي، المنهي عنه لعينه هو غير مشروع أصلا. فلا يدخل تحت قاعدتنا عدم الفساد مطلقاً. وإنما هذا الفساد عرض للنهي فقط. قال، ففساده عرضي: أي. أصله صحيح لكن عرض الفساد للنهي. مثاله صوم وصلاة الحائض هو غير مشروع وباطل أصلا. ولا يتضمن فساداً وإنما الفساد عرض للنهي فقط (أي الفساد وُجد بوجود النهي).
ثم قال: والمنهي لوصفه يفيد الصحة: أي. المنهي عنه لوصفه يمكن تصحيحه فلا يقتضي حينها فساداً. مثاله بيع الدرهم بدرهمين يُصحح بوضع الزيادة. (بمعنى: لو لم يُفد صحة ما توجه النهي إليه. فلا تقول للأعمى لا يُبصر لأنه تحصيل حاصل. لكن تقوله لمن يصح منه الإبصار). (ثمرة هذا كله أن الفعل صحيح والإثم واقع لمخالفة النهي).
وقيل إن نفي عنه القبول: إذا جاء دليل شرعي ينفي القبول دل على الصحة. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". نفي القبول لا علاقة له بالصحة.
فالصلاة صحيحة (تبرأ الذمة). مع عدم الأجر والثواب. وقيل: بل النفي دليل الفساد: أي. إذا جاء دليل شرعي بنفي القبول دل على الفساد. مثاله نفس المثال السابق. والصلاة فاسدة وعليه الإعادة بعد الوضوء. ونفي الإجزاء كنفي القبول: بمعنى: إذا جاء دليل شرعي في مسألة بعدم الإجزاء ففيه نفس الخلاف الذي في نفي القبول. قيل الصحة وقيل الفساد. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "أربعة لا تجزئ في الأضاحي". فإن ضحى بواحدة قيل تجزئ وقيل لا. ثم قال، وقيل: أولى بالفساد: أي. أن تعبير الشارع بنفي الإجزاء هو أقوى من التعبير بنفي القبول. لماذا؟ لأنه أولى بالفساد من نفي القبول.
باب العام والخاص.#
مباحث العام.#
العام: لفظ: يرجح المصنف كون العموم من صفات الألفاظ لا المعاني. (سيتطرق إلى هذا الخلاف تباعاً). يستغرق الصالح له: أي يشمل ما يصلح لدخوله تحت اللفظ. مثاله الإنسان يصلح أن يستغرق المؤمن والكافر والصبي والرجل. وليس للاحتراز من لفظ لا يستغرق ما يصلح له. لأنه لا يوجد لفظ يستغرق ما لا يصلح له. من غير حصر: احترازاً من المحصور بالأفراد أو العدد وإن كان 10,000 أو أكثر. (فالعام فيه الكثر من غير حصر وإن لم يصل مائة). مثاله قال تعالى: "إلى مائة ألف أو يزيدون". عدد كثير لكنه محصور فليس بعام.
والصحيح دخول النادرة: أي الصورة النادرة تدخل أيضاً في العموم على الأصح. مثاله قال صلى الله عليه وسلم: "لا سبق إلا في خف أو حافر". يعم السباق على الفيل على الأصح وإن ندر عند المخاطبين بالحديث.
وغير المقصودة تحته: حتى الصورة الغير مقصودة تدخل تحت العموم. (لأن اللفظ يتناولها والقصد لا ينضبط) مثاله وكله بشراء عبد فاشترى من يعتق على الموكل. * والفرق بين النادرة وغير المقصودة
أن النادرة لا تخطر ببال المتكلم لندرة وقوعها. وغير المقصودة تخطر غالباً.
وأنه قد يكون مجازاً: أي، والأصح أن العام كما يكون حقيقة يكون مجازاً. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام". فدل على تعميم كون الطواف صلاة. وكون الطواف صلاة مجاز.
وأنه: أي والأصح أن العموم. من عوارض الألفاظ: أي. من الصفات العارضة لا اللازمة للألفاظ (إذ اللفظ يوصف بالعموم وبالخصوص).
قيل: إشارة إلى الخلاف. والمعاني: أي أن المعنى أيضاً يوصف بالعموم كاللفظ مطلقاً في كل من قسميه، الذهني والخارجي. أما العموم الذهني: فلا يوجد إلا في الذهن. فهو غير محسوس. وتحقق العموم فيه صادق تماماً ومساوٍ في كل أفراده. مثاله الإنسان: معنى الإنسانية فيه متحقق في كل إنسان بالتساوي. أما العموم الخارجي: فهذا يكون محسوساً وتحقق العموم فيه غير مساوٍ في كل الأفراد. مثاله قولك: عمّ المطر الوادي: فالمطر لا يتحقق سقوطه في كل مكان من الوادي بالتساوي. وقيل به في الذهني: أي. أن العموم لا يتحقق إلا المعنى الذهني فقط لصدقه.
* تمهيد: الراجح عند المصنف أن العموم من صفات الألفاظ لا المعاني. لكن يريد أن يبين لك أن التعبير عن العموم في اللفظ والعموم في المعنى (عند من يقره)، يختلف في الاستعمال. (الإصطلاح). فيقول في اللفظ عام وفي المعنى أعم. قال:
ويقال للمعنى: أي عند الاستعمال. أعم: وأخص. وللفظ: عند الاستعمال، عام: وخاص. مثاله قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة". اللفظ عام فيه الأمر بإقامة الصلاة. والمعنى أعم فيشمل الأداء والشروط والخشوع والآداب... قال القرافي: فيما معناه: أعم: أفعال تفضيل والمعاني أفضل من الألفاظ لأنها هي المقصودة باللفظ.
ومدلوله: أي الذي يدل عليه اللفظ العام (وهي الأفراد). فهل هي كلية أم كل أم كلي ؟؟ ويقابله جزئية وجزء وجزئي. قال: كلية: يكون فيها الحكم على الجميع كل فرد فرد. مثاله كل رجل يشبعه رغيفان. أي، محكوم فيه على كل فرد مطابقة إثباتاً
أو سلباً: فيطابق فيه الحكم على جميع الأفراد لا مجموعهم، إما إثباتا أو سلباً. لا كل؛ وهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد. مثاله كل الرجل يحمل الصخرة العظيمة. أي مجموعهم لا جميعهم (ليس كل واحد منهم على حدة). ولا كلي؛ وهو ما اشترك في مفهومه كثيرون. (يصدق على كثيرين). مثاله الإنسان - الحيوان.
ودلالته؛ دلالة العام. على أصل المعنى قطعية: مثاله قولك في عشرة طلاب. حضر الطلاب. يدل على الجمع الذي هو أصل المعنى قطعاً. بمعنى: حضر ثلاثة أو أكثر من أصل عشرة قطعاً. وهو عن الشافعي؛ أي مذهبه. (بل مذهب الجميع بلا خلاف. فلا معنى لتخصيصه بذلك). وعلى كل فرد بخصوصه ظنية؛ مثاله المثال السابق. حضور كل فرد فرد من العشرة ظني. وهو عن الشافعية؛ والمالكية والحنابلة.
وعن الحنفية قطعية؛ دلالة العام على أفراده قطعية عند الحنفية.
ومما ترتب عندهم: عدم التخصيص إلا إذا اقترن العام بالخاص في نص واحد. أما إذا افترقا. فإذا تقدم العام فينسخ بالخاص. وإذا تقدم الخاص ينسخ من العام بقدره ويبقى العام. (ذلك لاستواء العام والخاص في القطعية).
* ومما يبنى على هذا الخلاف، تخصيص العموم بخبر الآحاد. (ظني بظني). وتخصيص العموم بالقياس. (ظني بأضعف). وحمل العام على الخاص عند الجمع بين متعارضين باستخراج أفراد الخاص من العام مع بقاء باقي الأفراد على العموم...
وعموم الأشخاص: أي. عموم أفراد العام. (إذ المقصود من اللفظ
العام هو عموم أفراده). يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع: يوجب جرّ وسحب العموم على الأحوال والأزمنة والأمكنة المتعلقة باللفظ. بمعنى: أن العموم يتناول كل أفراد العام في كل زمان ومكان وعلى كل حال. مثاله قال لأمته الحامل: كل ولد تلدينه فهو حر. فيشمل الذكر والأنثى والحمل الأول والثاني وغيرهما. وما ولد عنده أو ببلد غيره.
* القرافي: خالف فقال: صيغ العموم عامة في الأشخاص. مطلقة في الأزمنة والبقاع والأحوال. (أي لا يدخلها العموم). وعليه الشيخ الإمام: والده. وعليه غيره أيضاً. كابن دقيق العيد الذي ردّ على خلاف القرافي.
صيغ العموم#
مسألة: أُختلف في العموم. هل له صيغ تختص به حقيقة أم لا؟ أربعة أقوال.
قال رحمه الله: كل والذي. والتي وأي وما ومتى وأين وحيثما: ذكر هذه الصيغ من باب التمثيل لا الحصر. ونحوها: أي هذه المذكورة وأخواتها هي ① للعموم حقيقة: تدل على العموم حقيقة. وهو قول الجمهور. (فلا تصرف للخصوص إلا بتأويل أو قرينة). مثاله قال تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه". ② قيل، للخصوص: تدل على الخصوص. وهو القدر الأقل. (فالعموم هو خصوص وزيادة). وتستعمل للعموم مجازاً. قالوا: لأنها جاءت للعموم والخصوص، والخصوص هو المتيقن فجُعلت له. مثاله. قال تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". خصوص. وقال تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين". عموم ③ وقيل: مشتركة: بما أنها تُستعمل لكليهما. فإنها تدل عليهما ومشتركة بينهما. أي وُضعت لكليهما حقيقة. ④ وقيل: بالوقف: لعدم اتضاح دلالتها على العموم أو الخصوص. توقف ولم يذهب فيهما مذهباً.
ومن صيغ العموم: الجمع المعرف باللام؛ مثاله "قد أفلح المؤمنون". فيخرج الجمع النكرة. مثاله مؤمنون. (لا يفيد العموم).
أوْ الإضافة: أي الجمع المضاف. مثاله "وعباد الرحمن" / عبيدي أحرار. هاتين الصيغتين يصطلح عليهما بالعام الكامل. قالوا: لكونه عاما بلفظه ومعناه. بخلاف المفرد المحلى. فهو عام بمعناه دون لفظه.
مثاله الإنسان. للعموم: أي: يفيد العموم. وهو قول
الجمهور والراجح. ما لم يتحقق عهد: ما لم يكن الجمع المحلى بأل والمضاف ينصرف إلى معهود. وإلا حُمل على المعهود للقرينة التي تصرفه إليه ولم يكن عاماً. مثاله جمع الملك الساسة وأكرم العلماء. فهذا يُحمل على المعهودين الذين هم أهل بلدته ومنطقته فقط. ولا يعم ويستغرق كل ذوي هذه الأوصاف.
خلافاً لأبي هاشم: الجبائي المعتزلي. مطلقاً: أي الجمع المحلى والمضاف لا يفيدان العموم مطلقاً. إنما تفيد الخصوص. لأن المراد منهما هو اسم الجنس لا الاستغراق. وهذا يصدق بأقل أفراد الجنس كالواحد. مثاله تزوجت النساء وملكت العبيد. لا يتبادر إلى ذهن أحد من المتكلم والسامع الاستغراق. وإنما المراد جنس النساء وجنس العبيد. وهذا يصدق في واحد. والواحد ليس عاماً. (والقول ضعيف). وإمام الحرمين: الجويني. إذا احتمل معهود: أي هي للعموم إلا إذا احتمل أن يكون للعهد. (مجرد احتمال). أوْ إذا تحقق كونه للعهد. فوافق الجمهور في التحقق وخالف في الاحتمال. * كأن قول أبي هاشم قوي عنده فاكتفى بمجرد الاحتمال لصرفه من العموم للخصوص.
والمفرد المحلى: أي المعرف بأل: مثاله الإنسان - السارق... مثله: أي: يُفيد العموم مثل الجمع المحلى والمضاف. خلافاً للإمام: الرازي مطلقاً: أي لا يفيد العموم مطلقاً وإنما هو للجنس. (كما قال أبو هاشم أنفاً). والفرق بين القول للجنس والقول للعموم. أن في الجنس يصدق على بعض الأفراد. وإذا أردت الاستغراق فلابد من قرينة. ولإمام الحرمين: أي. وخلافاً للإمام الحرمين الجويني. والغزالي: تلميذه. إذا لم يكن واحده بالتاء: بمعنى؛ أنهم يقسمون إسم الجنس قسمين. قسم يتميز واحده عن جنسه بالتاء فهذا يعم. مثاله التمور. التمر- تمرة / النخيل- نخل- نخلة. فالتمور والنخيل جمع معرف. هذا مرّ. والتمر والنخيل مفرد محلى وهو اسم جنس يفيد العموم لأن واحده تميز بتاء. تمرة نخلة. والقسم الثاني: الذي لم يتميز واحده عن جنسه بتاء. مثاله الماء- الذهب. فهذا بما أن واحده لم يتميز احتمل أن يُراد به اسم جنس للاستغراق أو فقط المفرد الواحد. وبالتالي لم يعم.
(لكن هذا لا يستقيم عند الاستعمال. أنظر حديث الأصناف الربوية).
زاد الغزالي: زاد على ما تميز واحده عن جنسه بالتاء. أو تميز بالوحدة: مثاله الدينار- الرجل. بحيث يصح أن يقال: دينار واحد، ورجل واحد. فهذا لا يعم. أما إذا لم يتميز بوصفه بالوحدة. مثاله الذهب- الماء. بحيث لا يقال: ذهب واحد. عمّ وكان للاستغراق. * لم يذكر المصنف مع المفرد المحلى المضاف كما فعل في الجمع. والصحيح أنه أيضاً للعموم. مثاله قال تعالى: "وليحذر الذين يخالفون عن أمره"، أي. كل أمره. أفاد العموم بالإضافة.
والنكرة في سياق النفي: هي من صيغ العموم. مفرداً كانت أو جمعاً. والمقصود بالنفي هو وما في معناه. كالنهي والشرط والاستفهام. مثاله "لا إله إلا الله" - "ألا تشركوا به شيئاً" - "وإن أحد من المشركين استجارك" - "فهل ترى لهم من باقية".
للعموم: هي للعموم. لكن هل تُفيده وضعاً. (دلالة المطابقة لغوية) أو لزوماً. (دلالة الالتزام عقلية). قال: وضعاً: بمعنى: أن اللفظ وُضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة. مثاله "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب": أي: لا فرض ولا نفل ولا صلاة ليل ولا نهار. فتشمل الكل بدلالة المطابقة. (وهو قول الجمهور). وقيل: لزوماً. بمعنى: النكرة في سياق النفي. يتوجه النفي فيها إلى لفظ مفرد مبهم. مثاله لا صلاة - لا نكاح. اقتضى نفي فرد مُبهم لزوم نفي جميع الأفراد بدلالة الالتزام. وعليه الشيخ الإمام، أي، دلالة الالتزام هو ما ذهب إليه والده وهو ما عليه الحنفية. نصاً إن بني على الفتح: وظاهراً إن لم يُبن. فقسم كون النكرة في سياق النفي تفيد العموم نصاً. (دلالة النص: وهو ما لا يدل إلا على معنى واحد. ولا يحتمل غيره). وظاهراً (دلالة الظاهر: وهو ما احتمل معنى فأكثر. وهو في أحدها أظهر). مثاله لا رجل في الدار - ما في الدار رجل.
* العموم المستفاد من الألفاظ سواء في منطوقها أو مفهومها يكون من طريق اللغة وهو الأكثر.
وقد يعمم اللفظ عرفاً: كما يستفاد أيضاً عرفاً. وهو العموم
العرفي. ومثل له بقوله: كالفحوى: والمراد مفهوم الموافقة (مساوٍ أو أولى). كقوله تعالى: "فلا تقل لهما أفٍ". يستفاد منه تحريم الضرب من باب أولى عرفاً. و: أي ومثل: "حرمت عليكم أمهاتكم": ظاهر اللفظ التحريم ينصرف إلى أعيان الأمهات. والمقصود بالنهي هو النكاح. فيعم كل مقدماته وما يتعلق به عرفاً. أو عقلاً: قد يُستفاد العموم من الألفاظ أيضاً عقلاً. مثاله كترتيب الحكم على الوصف: أي ترتيب الحكم على العلة. كلما وُجدت العلة وُجد الحكم. مثاله قال تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا..". علق الحكم بوصف السرقة كلما وُجد الوصف لحق الحكم. فكانت استفادة العموم هنا عقلية. وك: أي، ومثل: مفهوم المخالفة: وهو إعطاء المسكوت عنه نقيض حكم المذكور (المنطوق). فيستفاد منه العموم أيضاً عقلاً. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم الزكاة". فيستفاد بمفهوم المخالفة انتفاءها في غير السائمة. بالعموم العقلي.
والخلاف في أنه لا عموم له لفظي: أي: والخلاف في أن المفهوم (موافقة ومخالفة). لا عموم له. هذا خلاف لفظي. بمعنى: إذا قلت: لقد قررنا أن العموم من عوارض الألفاظ. والمفهوم معنى وليس لفظ. أجاب: أن الخلاف في جريان العموم فيه من عدمه. هو خلاف لفظي لأنهم متفقون على حجية المفهوم.
وفي أن الفحوى بالعرف والمخالفة بالعقل تقدم: أي. والخلاف الذي يخص دلالة الفحوى بالعرف، ودلالة المخالفة بالعقل تقدم ذكره في باب مفهومي الموافقة والمخالفة. (وقد رجح أن دلالة الموافقة لفظية، ودلالة المخالفة عقلية). فما نص عليه المصنف هنا. هو على قول. فلا تتوهم قطع الخلاف عما سبق.
ومعيار العموم الاستثناء: أي. علامته وميزانه الذي يكتشف به العموم في الألفاظ هو صحة دخول الاستثناء. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين.."
صيغ العموم المختلف فيها#
والأصح: أي الراجح مشيراً إلى الخلاف. أن الجمع المنكّر ليس بعام: أي. أن النكرة في سياق الإثبات لا عموم لا. وإنما النكرة تُفيد العموم إذا عُرّفت أو أُضيفت أو جاءت في سياق النفي أو الشرط أو الاستفهام. مثاله قال تعالى: "ونادى أصحاب الأعراف رجالا.." (لا عموم).
وأن: والأصح أن. أقلّ مسمى الجمع ثلاثة: وهذا مقتضى اللغة. فنقول مفرد ومثنى وجمع. أما أكثر الجمع فلا حد له.
لا إثنان: أي: وليس أقل مسمى الجمع إثنان وهو القول الثاني المرجوح عنده. ومن أدلة هذا القول. إنعقاد صلاة الجماعة بإثنان. ورُدّ عليه: أنها سُمّيت جماعة مجازاً. لكن يُحسب لها أجر الجماعة. وكذلك قوله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما..". فأجيب بأنه لاستثقال إضافة التثنية (قلبيكما). وهذا الأخير قال به مالك وأبو إسحاق والغزالي.
وأنه يصدق على الواحد مجازاً: بمعنى، أنه يصح وصف الواحد بالجمع مجازاً على سبيل التعظيم والتبجيل. مثاله وفقكم الله وحفظكم.
وتعميم العام بمعنى المدح والذم: أي. والأصح أن العام إذا جاء بمعنى المدح أو الذم فهل هو للعموم أم لا؟ على ثلاثة مذاهب:
① يفيد العموم. إذا لم يعارضه عام آخر: مثاله "إن الأبرار لفي نعيم"، وقوله تعالى: "إن الفجار لفي جحيم". ولا يفيد العموم. وإنما يكون للمدح أو للذم فقط إذا عارضه عام آخر. مثاله قوله تعالى: "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم". هذا عام عارضه قوله تعالى: "وأن تجمعوا بين الأختين". فيُحمل الأول على المدح والثاني على العموم.
② لا يعم مطلقاً سواء عُورض أم لم يُعارض. وإنما هو فقط للمدح والذم. ③ وثالثها: يعم مطلقاً: يفيد العموم مطلقاً سواء عُورض أم لم يُعارض.
وتعميم نحو: "لا يستوون": أي. والأصح تعميم نفي الاستواء والمساوات. مثاله قال تعالى: "أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون". وقال: "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة"، رجح المصنف التعميم. بمعنى نفي كل المساوات في الدنيا وفي الآخرة. * وقال المخالف بل ليس للتعميم. فنفوا المساوات في الآخرة من ثواب وعقاب دون الدنيا.
ولا أكلت: بمعنى: إذا حلف قائلاً: والله لا أكلت. ولم يُحدد مفعولاً من نوع أكلٍ أو وقتِ أكلٍ... فيحنث بأي أكلٍ أكله في أي وقتٍ أكله. لأن الصيغة تقتضي العموم وهو ما رجحه المصنف. (وهو قول الجمهور). * وقال المخالف بل مخصوص بحسب ما نواه. فربما قصد طعام فلان أو وجبة دون أخرى. * وقاعدة اقتضاء العموم هنا: أن هذا فعل متعدي يقتضي مفعولاً. وحذف المفعول قصداً يراد به التعميم. وقيل: يُشير إلى خلاف بينه وبين بن الحاجب في المسألة. (راجع شرح حسن البخاري).
وإن أكلت: بمعنى: تعليق الفعل على شرط مع حذف المفعول يفيد العموم. مثاله إن أكلت فعبدي حرٌّ. فيعم كل أكل.
لا المقتضي: أي: والأصح أنه لا عموم للمقتضي. والمقتضي: هو الكلام الذي يقتضي تقدير محذوف حتى يصح ويستقيم. والمحذوف الذي يُقدر يسمى المقتضَى. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان". فالمقتضى المحذوف هنا هو رفع الحكم الأخروي فقط. ولا يعم حقيقة الخطأ ولا الحكم الدنيوي كضمان المتلفات.
والعطف على العام: أي: والأصح أن العطف على العام لا يقتضي التعميم. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده". لا يقتل مؤمن بكافر: عام في الحربي والذمّي (المعاهد) والمستأمن. أمّا المعطوف عليه وهو ذو عهد في عهده. ومعناه: لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر. فهذا خاص بالحربي ولا يعم الذمي والمستأمن. بل يُقتل
بهما. لأنهم كلهم في نفس الحكم. * وخالف الحنفية فقالوا: العطف على العام يقتضي العموم وبالتالي يُقتل المعاهد بالثلاثة.
والفعل المثبت: أي: والأصح أن الفعل المثبت لا يقتضي العموم. مثاله قول بلال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة. فصلى فعل مثبت لا عموم له. (فلا يشمل الفرض والنفل).
ونحو: "كان يجمع في السفر": أي: ونحو: الفعل المضارع المسبوق بكان لا يقتضي العموم. فقوله: كان يجمع في السفر لا يقتضي التعميم. فيمكن أن يجمع مرة ولا يجمع أخرى.
ولا المعلق بعلة لفظاً لكن قياساً: أي، والأصح أن المعلق بعلة، (وهو المصرح فيه بالعلة مقرونة بالحكم). لا يقتضي التعميم لفظاً لكن قياساً. مثاله لو قيل: حُرّمت الخمر لكونها مسكرة. فلا يعم جميع صور المسكر من جهة اللفظ. وإنما يعمها من جهة القياس. (بمعنى: تقاس عليه جميع المسكرات). خلافاً لزاعمي ذلك: أي: كل المسائل الخمس: من المقتضي إلى المعلق بعلة. الراجح فيها عدم العموم كما رجح المصنف. خلافاً لزاعمي العموم.
وأن ترك الاستفصال:
مباحث الخاص:#
التخصيص: أي تعريفه: قصر العام على بعض أفراده: أي: إخراج بعض أفراد العام عن دلالة العموم ويبقى البعض. (فلا يتناول الجميع). مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". عام. فجاء التخصيص بالاستثناء ليخرج بعض الأفراد بقوله تعالى: "إلا الذين آمنوا".
والقابل له: والقابل للتخصيص. حكم ثبت لمتعدد: أي: كل حكم ثبت لمتعدد فهو قابل للتخصيص. سواء كان لفظاً أو معنى. مثاله قال تعالى: "قد أفلح المؤمنون". حكم الفلاح ثبت لمتعدد (لأكثر من واحد). المؤمنون. فقبل التخصيص بقوله تعالى: "الذين هم في صلاتهم خاشعون". ومثاله في المعنى قال تعالى: "ولا تقل لهما أف". حكم الإيذاء ثبت لمتعدد. فيشمل كلاً من الإيذاء القولي والفعلي وغيرهما. وبالتالي هو يقبل التخصيص. فخُص بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". (وإن ترتب عليه إيذاء).
* سيتطرق الآن لبيان المقدار الذي لا بد أن يبقى من العام بعد التخصيص. وذكر فيه خمسة أقوال:
① والحق جوازه إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعاً: بمعنى: العام الذي لا يكون لفظه جمعاً كالمفرد المحلى بأل (المسلم). واسم الجنس المحلى (الإنسان). والألفاظ المبهمة (أسماء الشرط والموصولة...). يجوز فيه التخصيص إلى أن يبقى واحد من العام. مثاله "المسلم أخو المسلم" - "المؤمن للمؤمن كالبنيان". وإلى أقل الجمع وإن كان: أي أما إن كان لفظ العام جمعاً: كالمسلمون - المؤمنون... (وهو ما يصطلح عليه بالعام الكامل. فيكون عاماً في لفظه ومعناه). فهذا يجوز فيه التخصيص. بشرط أن يبقى أقل مقدار الجمع فيه. وهو ثلاثة أو إثنان على قول ② وقيل: مطلقاً: أي: جواز تخصيص العام مطلقاً إلى أن يبقى منه واحد. سواء كان اللفظ جمعاً أم لا.
③ وشذ المنع مطلقاً: أي. وشذ منع جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد. بمعنى آخر: لا يجوز التخصيص إلا إلى أقل الجمع سواء
كان اللفظ جمعاً أو غير جمع. ④ وقيل بالمنع إلا أن يبقى غير محصور: أي: لا يجوز التخصيص إلى واحد ولا إلى إثنان ولا إلى ثلاثة. إنما يجوز إذا بقي من العام عدد كثير غير محصور. لأنهم يرون أن التخصيص إذا استنفد أكثر العام تبطل دلالة العام. فقالوا بالمنع إلا أن يبقى غير محصور. ⑤ وقيل إلا أن يبقى قريب من مدلوله: ومدلوله هو كل أفراده والمعنى: لا يجوز التخصيص إلا أن يبقى بعد التخصيص أكثر العام.
* سيتكلم الآن عن العام المخصوص والذي أريد به الخصوص والفرق بينهما.
والعام المخصوص: وهو اللفظ الذي يتناول أفراداً غير محصورة ثم يدخله التخصيص. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". عام مخصوص بقوله تعالى: "إلا الذين آمنوا". عمومه مراد تناولاً لا حكماً: أي. أن العام المخصوص أُريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ له. لا من جهة الحكم. مثاله قال تعالى: "إن الإنسان لفي خسر". الكافر باق بتناوله اللفظ ولم يخرج من مسمى الإنسان. وإنما خرج من الحكم بالخسارة. والمراد به الخصوص: أي: العام الذي أُريد به الخصوص: وهو لفظ صيغته صيغة عموم ومعناه معنى خصوص. مثاله قال تعالى: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم". الناس لفظ عام معناه خاص أُريد به واحد. وهو نعيم بن مسعود. وقوله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله". الناس لفظ عام أُريد به الخصوص. وهو النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يصح أن نقول فيه عام مخصوص لأنه من البدايه لم يُرد به العموم بل أُريد به الواحد. ليس مراداً: أي، عمومه ليس مراد في التناول ولا في الحكم. بل كلي استعمل في جزئي: أي: اللفظ كلي عام استعمل في جزئي في معنى خاص. فرد واحد. ومن ثم كان مجازاً قطعاً: أي، العام المراد به الخصوص هو ليس بعام حقيقة وإنما عام مجازاً. لأنه لا حقيقة لعمومه لا في تناول أفراده ولا في الحكم. وإنما اكتسب اسم العام من مجرد اللفظ. فكان مجازاً.
* سينتقل إلى ذكر الأقوال في العام المخصوص بعد التخصيص
هل يبقى عاماً حقيقة، أم يكون مجازاً؟ وهي سبعة:
① والأول: العام المخصوص، الأشبه حقيقة: بمعنى: دلالة العام على ما بقي من أفراده بعد التخصيص حقيقية في عمومه. (إختيار المصنف). وفاقاً للشيخ الإمام: والده والفقهاء: الحنابلة والحنفية والشافعية. ② وقال الرازي: ليس صاحب المحصول فهو الإمام وإنما أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي. إن كان الباقي غير منحصر: فهو يفصل. بحيث إن كان الباقي بعد التخصيص قريب من مدلول العام (كثير - غير منحصر)، فحينئذ يكون عمومه حقيقة. أما إن صار الباقي بعد التخصيص ليس قريباً من مدلول العام. (قليل)، فيتحول العموم إلى مجاز. ③ وقوم. إن خص بما لا يستقل: أي: إذا خص بأحد المخصصات الغير مستقلة المتصلة (كالشرط والصفة والاستثناء). فهو حقيقة. أما إذا كان التخصيص منفصلاً. فيصير العام بعد التخصص مجازاً. مثاله المتصل (غير المستقل). قال تعالى: "والعصر.. إلا الذين آمنوا". المنفصل. قال تعالى: "وأتوا حقه يوم حصاده". خصص بقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر". ④ وإمام الحرمين الجويني حقيقة ومجاز باعتبارين تناوله: أي. باعتبار تناوله لما بقي من الأفراد فهو حقيقة. لأن اللفظ العام يتناولها وضعاً. والاقتصار عليه: أما باعتبار الاقتصار على ما بقي بعد التخصيص فمجاز. لأن اللفظ العام وُضع للاستغراق. وبالتالي هو مجاز باعتبار اقتصارنا على بعض مدلوله لا كله.
⑤ والأكثر: أكثر الأصوليين. مجاز مطلقاً: أي: العام المخصوص. عمومه لما بقي من الأفراد عمومٌ مجازي لا حقيقي. ⑥ وقيل: إن استثنى منه: أي: أن العموم بعد التخصيص هو حقيقة في ما بقي من الأفراد. إلا إذا خُص بالاستثناء فيكون مجازاً. مثاله قال تعالى: "والعصر.... إلا الذين آمنوا": هنا التخصيص بالاستثناء وبالتالي العموم في ما بقي بعد التخصيص هو عموم مجازي لا حقيقي ⑦ وقيل إن خص بغير لفظ: أي. كما تقدم. أن المخصص قد يكون نصاً (لفظاً)، وقد يكون غيره كالعقل. معنى الكلام: أن المخصص إن كان لفظاً فيكون العموم حقيقة. أمّا
إن كان بغيره كالعقل فيكون مجازاً. مثاله تخصيص غير القادر من التكاليف بالعبادات. استقر عقلاً أن غير القادر ليس مخاطباً وإن كان عندنا نصوص شرعية فيه.
والمخصص: وهو العام بعد التخصيص. هل يفقد حجيته أم يبقى حجة؟؟ سيذكر ستة أقوال: ① قال الأكثر: الجمهور. حجة: نعم حجة ② وقيل إن خص بمعين: أي، إذا خص بمبهم فليس بحجة. مثاله أعط الفقراء إلا من لا يصلح. فمن لا يصلح مبهم غير مبين لا تدري من هو. لذلك قالوا: (تخصيص المجهول من المعلوم يصير المعلوم مجهولاً). فالمخصص المبهم ليس بحجة إطلاقاً بإجماع.
③ وقيل بمتصل: هو حجة إن خص بمتصل بالشرط والاستثناء وإلا فلا. ④ وقيل إن أنبأ عنه العموم: إن أنبأ عنه العموم فهو حجة وإن لم ينبئ عنه العموم لا يبقى حجة. مثاله قال تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". فإنه ينبئ عن الحربي. فإذا خرج الذمي والمعاهد والمستأمن بقي حجة في الحربي.
بخلاف قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا..". فإن عمومها لا ينبئ عن كون المسروق نصاباً ولا في حرز ولا شبهة. فإذا خرجت حالة انتفائهم لم يكن حجة في حالة وجودهم. ⑤ وقيل: في أقل الجمع: هو حجة في أقل الجمع. لأنه المتيقن عندهم أمّا ما زاد فوق أقل الجمع فهو مشكوك وبالتالي ليس حجة فيه. ⑥ وقيل غير حجة مطلقاً: بمعنى: يصير مجملاً. كما لو خُص بمُبهم. فلا يستدل به في البقية إلا بدليل. (تطبيقات السلف تدل على خلاف وضعف هذا القول الأخير).
* المقرر أن أغلب العمومات مخصصة. فإذا وجدنا نصاً عاماً فغالب الظن هو احتمال وجود مُخصص له. فهل نعمل بالعموم مع احتمال وجود المخصص؟ أم لا نعمل حتى نبحث ونتأكد. من المخصص؟ ثلاثة أقوال:
① ويتمسك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل
البحث عن المخصص: أي: العام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعمل به في جميع أفراده قبل البحث عنه هل دخله تخصيص (بلا خلاف).
وكذا بعد الوفاة: أي. والراجح العمل أيضاً بعد الوفاة في زمن الصحابة ومن بعدهم من مجتهدي الأمة سواء. ② خلافاً لابن سريج: أي: لا يجوز العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص حتى يغلب على ظنه عدم وجود المخصص. ويذكر عن الباقلاني: حتى يقطع ويجزم ويتأكد من عدم وجود المخصص. (ورد عليه المصنف).
ثم يكفي في البحث الظن خلافاً للقاضي: أي: يكفي في البحث عن المخصص غلبة الظن لا الجزم والقطع كما قال القاضي.
المخصص قسمان: متصل وهو مالا يستقل بنفسه بحيث يكون جزءً من اللفظ. ومنفصل وهو ما استقل. قال:
الأول المتصل: وهو خمسة: الاستثناء والصفة والشرط والغاية والبدل.
① الاستثناء وهو الإخراج: أي: إخراج بعض أفراد العام من العام. (المستثنى والمستثنى منه). ب(إلا): وهي أشهر أدوات الاستثناء. أو إحدى أخواتها: كخلا وعدا وسوى وحاشا وغير. مثاله قال تعالى: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا». من متكلم واحد: أي: أن يصدر المستثنى والمستثنى منه من نفس المتكلم. مثاله إذا قال إنسان حضر الطلاب وقال آخر إلا عمراً. فلا يعتبر إستثناءً. وقيل مطلقاً؛ أي: يصح من المتكلم وغيره. ومثاله* بقوله صلى الله عليه وسلم في مكة: «لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها». فقال له العباس: إلا الإذخر يا رسول الله... فقال: «إلا الإذخر».
ويجب اتصاله: يجب اتصال المستثنى بالمستثنى منه في نفس اللفظ لأنهما في حكم جملة واحدة. (ولو جاز بعده لما صح نكاح ولا طلاق ولا عتاق.) هـ عادة: المراد الاتصال العادي. أما ما يطرؤ من الانفصال بسعال أو ضيق نفس... فهنا لا يؤثر. وعن ابن عباس إلى شهر: أي: عنه يجوز انفصاله إلى شهر. وقيل سنة وقيل أبداً: والخلاف جاء في مسألة واحدة لكن عُمّم فيها القول في كل الاستثناء. وهو الاستثناء تعليق اليمين على المشيئة وتحديداً في قوله تعالى: «ولا تقولن لشيئ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله». فجاء سياق كلام بن عباس في تصحيح تعليق العبد كلامه بالمشيئة متى تذكر
إعمالاً لقوله تعالى: «واذكر ربك إذا نسيت». قال بن عباس: من حلف وقال إن شاء الله فله أن يستثني إلى سنة. فكلامه على اليمين لا في تخصيص العموم بالإستثناء. * لكن لما كان التعليق بالمشيئة يُسمى إستثناءً ادخلوه في الاستثناء بإعتباره من باب واحد. وهذا يردُّه ما عليه الجمهور. مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير. فلو جاز الاستثناء لما احتاج للكفارة.
وعن سعيد بن جبير أربعة أشهر: أي: يجوز انفصاله إلى أربعة أشهر. وعطاء والحسن في المجلس: أي: يستثنى مادام في مجلس كلامه. طال الانفصال أم قصر. كما في بيع الخيار. ومجاهد سنتين: يستثنى إلى سنتين. وقيل ما لم يأخذ في كلام آخر: أي: مالم ينتقل للكلام في موضوع آخر جاز له الاستثناء. وقيل: بشرط أن ينوي في الكلام: اي: ان ينوي الاستثناء عند البدئ بالكلام بالعموم. وقيل: في كلام الله فقط: أي: يجوز انفصال الاستثناء في كلام الله فقط.
أما المنقطع: أي: الاستثناء المنقطع: وهو ما كان فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه. مثاله الشهير أقبل القوم إلا حماراً. فهل المنقطع هو من جنس الاستثناء أم لا؟ خمسة أقوال:
① الاستثناء المنقطع هو استثناء مجازاً والمتصل استثناء حقيقي. مثاله قال تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن».
② الاستثناء المنقطع حقيقي. وبالتالي يكون الاستثناء متصلاً ومنقطعاً.
③ فثالثها: متواطئ: أن إطلاق الاستثناء على المنقطع وعلى المتصل من باب المتواطئ. بمعنى: حقيقتهما واحدة والاشتراك بينهما معنوي. مثاله الإنسانية في زيد وعمر وهند واحدة في كل منهم حقيقة بالتواطئ. ④ والرابع مشترك: أي: هو من الاشتراك اللفظي فقط. وُضع لكل منهما على انفراده. فليس بينهما قدر مشترك إلا اللفظ. مثاله إشتراك لفظ العين في الجارية والجارحة.
⑤ والخامس الوقف: ليس لصاحبه فيه قول.
والأصح وفاقاً لابن الحاجب: هنا سيتكلم عن حقيقة الاستثناء
في تركيبه وذلك في ثلاثة أقوال:
① أولها لابن الحاجب. وهو الراجح عنده. بيّنه بضرب المثال. فقال: إن المراد بعشرة في قولك: عشرة إلا ثلاثة: بمعنى: إذا قلت: له علي عشرة إلا ثلاثة. ما الذي تريده. عشرة أم سبعة؟ قال: العشرة بإعتبار الأفراد: أي: المراد لفظاً. قولا: هو جميع أفراد المستثنى منه. وهو (عشرة). لكن انتبه: هنا لم يسند الحكم بعد. ثم: (اعتباره لجميع الأفراد حتى يتسنى له الإخراج الذي هو من شروط الإستثناء). ثم أخرجت ثلاثة: فبقيت سبعة. ثم أسند: أي: الآن بعد إخراج المستثنى تم إسناد الحكم. إلى الباقي: الذي هو سبعة. تقديراً: أي: معنى وثمرة وحقيقة. وإن كان قبله ذكراً: أي: وإن كان أسنده قبل الإخراج لفظاً. (لكن لا حقيقة وحكماً).
② وقال الأكثر: وهو قول الجمهور. المراد سبعة: أي. المراد بعشرة في المثال المذكور سبعة. و(إلا) قرينة: وأداة الاستثناء قرينة على إطلاق إسم الكل وإرادة البعض مجازاً. (فإلا استثناء مُوضح لمراد المتكلم). ③ وقال القاضي: أبو يوسف صاحب أبي حنيفة. عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد ومركب: أي: أن المستثنى والمستثنى منه كلاهما وُضع لمعنى واحد. بمعنى: أن لسبعة إسمان: مفرد وهو سبعة. ومركب: وهو عشرة إلا ثلاثة. (لكنه خالف النحاة في أن الاستثناء هو إخراج. ولا إخراج على ما قرره).
① ولا يجوز المستغرق: أي: لا يجوز إستثناء الكل من الكل. مثاله له ثلاثة أبناء فقال: أعطيت أبنائي إلا عمراً وزيداً وهنداً. وليس عنده سواهم فاستثنى الكل من الكل. خلافاً لشذوذ: أي: خلافاً لقول شاذ يجوز الاستثناء المستغرق.
② قيل: ولا الأكثر: أي: ولا يجوز استثناء الأكثر من الكل. مثاله له علي عشرة إلا تسعة. وقيل: ولا المساوي: أي: ولا يجوز استثناء المساوي وهو النصف. مثاله له علي عشرة إلا خمسة. وكلاهما خلاف قول الجمهور. إذ جوزوا
إستثناء الأكثر والمساوي. مثاله قال تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين». وقال: «قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين». سواء قلت الضلال أو الهداة أكثر. حصل إستثناء الأكثر. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته». وقيل: إن كان العدد صريحاً: بمعنى: لا يجوز إستثناء الكل والمساوي في العدد الصريح ويجوز في غير الصريح. مثاله له علي عشرة إلا سبعة. صريح فلا يجوز. مثال الثاني له علي عشرة إلا الزائف منها. صح الاستثناء وإن كان الزائف خمسة أو سبعة.
وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح: العقد الصحيح هو العدد التام من العشرات. مثاله ..10-20-30... فلا يجوز أن تستثني من العدد عقداً صحيحاً: كقولك: له علي مائة إلا عشرة. (وقيل: يجوز في ثلاثة هـ لأنه ليس بعقد صحيح).
والاستثناء من النفي إثبات: أي: إذا استثنيت من النفي فإنك تثبت المستثنى. مثاله ما حضر القوم إلا زيداً. وبالعكس: إذا استثنيت من الإثبات فإنك تنفي المستثنى. مثاله حضر القوم إلا زيداً. (وهو قول الجمهور). خلافاً لأبي حنيفة: من أهل العلم من قال أن الأحناف خالفوا في كلتا القاعدتين. ومنهم من قال فقط في الاستثناء من النفي إثبات دون العكس.
والمتعددة: أي: الاستثناءات المتعددة والمتكررة في كلام واحد. إن تعاطفت: إذا جاءت معطوفة بالواو. فللأول: أي: تُخصم كلها من العدد الأول. مثاله له علي عشرة إلا ثلاثة وإلا إثنان وإلا واحد. فتجمع الكل وهو ستة. وتخصمه من الأول وهو عشرة. فيكون أقرّ بأربعة. وإلا: أي: إن لم تأت معطوفة. فكل لما يليه: يُخصم كل واحد من الذي يليه. له علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة. فيكون أربعة ناقص ثلاثة هو واحد. وخمسة ناقص 1 هو أربعة. وعشرة ناقص أربعة هو ستة. فيكون أقرّ بستة. مالم يستغرقهُ: مالم يستغرق الكل. وحينئذ يبطل الاستثناء.
والوارد بعد جمل متعاطفة: الاستثناء الواقع بعد جملٍ عُطِف
بعضها على بعض. وهو على ستة أقوال: (أما عطف المفردات بعضها على بعض فسيأتي). ① للكل: وهو قول الجمهور. أي: يعود الاستثناء إلى كل الجمل. مثاله قال تعالى: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا». فالاستثناء الذي هو التوبة. يعود على الكل. وهو ارتفاع الفسق وقبول الشهادة. * خلافاً للحنفية. يعود عندهم على الأخير فقط. فيرتفع الفسق دون قبول الشهادة. أما حد القذف فلا يسقط لأنه ثبت بدليل آخر. واتفق عليه الجميع.
② وقيل إن سبق الكل لغرض: حُكي عن القاضي عبد الجبار. معناه: أن الاستثناء يعود على الكل إذا كان سياق الكلام لغرض واحد وإلا فللأخيرة. مثاله أكرم بني تميم وأحسن ضيافتهم إلا الفساق. خلاف قوله: أكرم بني تميم وأحص عددهم إلا الفساق. فتعود للأخيرة لإختلاف الغرض. وقيل إن عطف بالواو: قاله الآمدي: أي ما كان معطوفاً بالفاء أو بثُمّ يعود على الجملة الأخيرة فقط. أما ما عطف بالواو فيعود للكل. (لكون الواو للجمع. والفاء وثم للفصل والترتيب).
④ وقال أبو حنيفة والإمام: الرازي للأخيرة: أي يعود فقط للأخيرة وقد مرّ مثاله في القول الأول. ⑤ وقيل مشترك: أي: يكون للأخير وللكل. وذلك لوروده تارة للأخير وتارة للكل. ⑥ وقيل: بالوقف: القاضي أبو بكر والغزالي. وذلك لعدم العلم بمدلوله.
والواو بعد مفردات: أي: الاستثناء في المفردات المعطوفة بعضها على بعض. أولى بالكل: يعود فيها للكل باتفاق. وذلك لعدم استقلالها.
أما القران بين الجملتين لفظاً فلا يقتضي التسوية في غير
المذكور حكماً: القران بين الجملتين في اللفظ إشتركتا في حكم من الأحكام. يقتضي إشتراكهما في الحكم المذكور فقط. ولا يقتضي التسوية في حكم آخر غير مذكور. مثاله قال تعالى: «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه». فعطف واجباً على مباح. خلافاً لأبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة والمزني: صاحب الشافعي. قالوا: يقتضي التسوية أيضاً في غير المذكور. مثاله إسقاط بعض الأحناف الزكاة على الصبي. لقوله تعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة». فعدم وجوب الصلاة يقتضي عدم وجوب الزكاة.
الثاني: من المخصصات المتصلة الخمسة.
الشرط: تعريفه: هو ما يلزم من عدمه العدم: فأخرج الموانع لأنها لا يلزم من عدمها شيئ. مثاله الحيض مانع من صحة الصلاة ولا يلزم من عدمه شيئ. ولا يلزم من وجوده وجود: فخرج السبب لأنه يلزم من وجوده وجود. مثاله زوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر. فالأسباب يلزم من وجودها وجود الحكم. ولا عدم لذاته: ليخرج ما اقترن فيه السبب والشرط. الزكاة لابد لوجوبها وُجود السبب والشرط معاً. (الحول + النصاب) ولذلك قال: لذاته. حتى لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. لأنه إذا ارتبط بغيره يلزم. * والشرط عقلي كالحياة للعلم. وشرعي كالطهارة للصلاة. وعادي كالسلم للصعود. ولغوي وهو المخصص والمراد هنا دون غيره.
وهو كالاستثناء اتصالاً: أي: الخلاف الذي ذكر في الاستثناء من جهة اتصاله وانفصاله بالكلام. يعاد هنا في الشرط.
* والعلاقة بينهما هو كون الشرط في أحد استعمالاته استثناء. كقولك: إن شاء الله. وأولى: أي: والشرط أولى من الاستثناء. بالعود إلى الكل: وهو آخر ما ذكر في الاستثناء في الجمل المتعاطفة.
* معنى كلامه: أنه إذا كان الصحيح والراجح في تعقب الاستثناء الجمل المتعاطفة عودته على الكل. ففي تعقب الشرط الجمل المتعاطفة عودته على الكل من باب أولى. مثاله أكرم بني فلان وأطعم بني فلان وألبس بني فلان... إن كانوا فقراء. يعود على الكل. على الأصح: إشارة إلى وجود خلاف. وإن كان ضعيفاً.
* مر في الاستثناء: اتفقوا على جواز استثناء الأقل وعلى بطلان استثناء الكل. واختلفوا في الأكثر والمساوي. (والراجح جواز الكل). هنا في الشرط قال:
ويجوز إخراج الأكثر به وفاقاً: اتفقوا على تخصيص الأكثر بلا خلاف. مثاله أكرم بني فلان إن كانوا حفاظاً. ثم اتضح أن أكثرهم حفاظ. صح التخصيص.
الثالث: من المخصصات المتصلة.
الصفة: وهي كل ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام. فهي الصفة المعنوية. لا المصطلح عليها عند النحاة والمرادفة للنعت. لهذا قد تكون نعتاً أو شرطاً أو ظرفاً أو حالاً. والصفة تأتي متقدمة وفي وسط الكلام ومتأخرة. قال: كالاستثناء في العود ولو تقدمت: بمعنى: لو جاءت الصفة متقدمة في الكلام فإنها تعود على كل الجمل المعطوفة بالإختصاص كالاستثناء. مثاله قال تعالى: «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم». أي: الصالحين والصالحات. أما المتوسطة: أي: الصفة في وسط الكلام. فالمختار: إشارة إلى أن المسألة محل خلاف. اختصاصها بما وليته: أي: تعود فقط على ما قبلها جملة كانت أو أكثر دون ما بعدها. مثاله أكرم بني فلان واستضف بني فلان المحتاجين وأعط بني فلان وامنع بني فلان. * أما المتأخرة ما ذكرها لإتفاقهم على عودها على الجميع.
الرابع: من المخصصات المتصلة.
الغاية:
القسم الثاني: من المخصصات. أخذنا المتصلة وهي خمسة والآن مع المنفصل.
المنفصل: أي: المخصصات المنفصلة وهي: التي تستقل ولا تحتاج معها إلى ذكر العام. وهي أنواع. قال:
① يجوز التخصيص بالحس: والحس المراد به المشاهدة. مثاله قال تعالى: «وأوتيت من كل شيئ». والمشاهد أنها لم تؤت أشياء كملك سليمان. والسموات... فكل شيئ ليس مقصود وإنما خُصص بالحس. والعقل: التخصيص بالعقل. وهو: ما دل العقل على عدم شمول النص له. مثاله قال تعالى: «الله خالق كل شيئ». فالذات الإلهية ليست مخلوقة. خُصص من عموم اللفظ بالعقل ضرورة. ولا نقول بالحس لأن هذا ليس محسوساً.
② ونظري: مثاله قال تعالى: «ولله على الناس حج البيت». وخرج الطفل والمجنون عقلاً لعدم فهم الخطاب. خلافاً لشذوذ: قالوا العقل لا يخصص. ومنع الشافعية تسميته تخصيصاً: أي: اتفقوا معنا في أن العقل يدل على أن بعض ما يشمله اللفظ غير مراد. فنحن نسميه تخصيصاً بالعقل. وهم يسمونه عدم تناول اللفظ له. وهو لفظي: الخلاف لفظي فقط.
والأصح: كل ما سيأتي فيه خلاف يتفاوت قوة وضعفاً. حتى الصورة الأولى كما عند بعض الظاهرية. ① جواز تخصيص الكتاب به: تخصيص الكتاب بالكتاب. مثاله قال تعالى: «والمطلقات يتربصن». خص بآية: «وأولات الأحمال». ② والسنة بها: تخصيص السنة بالسنة. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر». خص بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». ③ وبالكتاب: تخصيص السنة بالكتاب. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قُطع من البهيمة وهي حية فميتة». خص بقوله تعالى: «ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها...» ④ والكتاب بالمتواترة: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة. مثاله قال تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة». يُخص بما تواتر في السنة من أنه صلى الله عليه وسلم. رجم المحصن من الزناة.
⑤ وكذا بخبر الواحد: وكذا الأصح تخصيص الكتاب بحديث الآحاد. عند الجمهور: والقول الثاني أضمره وهو المنع مطلقاً وعدم الجواز.
وأن العادة بترك بعض المأمور: عادة الصحابة في الزمن النبوي بترك بعض المأمور أو فعل بعض المنهي. كأن تثبت عنهم عادة فيما ترك لأمر عام أو فعل لنهي عام. تخصص: أي: هذا الأمر العام أو النهي العام يُخصص لكن بشرط وهو: إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم: هذه العادة كانت في زمنه فأقرها. فيكون التخصيص هنا بالسنة التقريرية لا العادة. أو الإجماع: فيكون التخصيص بالإجماع لا العادة.
وأن العام لا يقصر على المعتاد ولا على ما وراءه: أي: والأصح أن العام إذا ورد لا يقتصر على الصورة المخصوصة التي اعتادوها فقط. ولا يستثنيها فيقتصر على ما وراءها فقط. مثاله ورد نهي عن بيع الطعام بالطعام. وجرت العادة ألا يباع من الطعام إلا القمح. فلا يقتصر على القمح فقط. ولا يستثنيه ويقتصر على غيره من الطعام. وإنما يشمل كل شيئ. بل تطرح له العادة السابقة: تطرح تلك العادة ويؤخذ بالعموم. فيترك كل شيئ لأجل العموم. لأن العبرة باللفظ الشرعي.
وأن نحو: «قضى بالشفعة للجار»: بمعنى: إذا حكى الصحابة فعلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا قول). بلفظ فيه صيغة العموم كقوله: «قضى بالشفعة للجار». فحكايته بهذا الوصف. لا يعم: لا تحمل على العموم. قالوا: لأن الصحابي ربما يحكي موقفاً رآه من النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ليس بعام. وفاقاً للأكثر: أي: هذا ما ذهب إليه أكثر الأصوليين مع وجود من يخالف ويرى أن حكاية الصحابي فعل النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة العموم هو للعموم.
جواب السائل غير المستقل.#
مسألة: إذا جاء دليل: (قرآن ، سنة) عبارة عن جواب لسائل. غير المستقل: الجواب المستقل بنفسه. يكون تركيب الجواب يستغني عن إعادة السؤال فيه. أما غير المستقل: فلا يُفيد بنفسه. وإنما
يكون السؤال فيه معادٌ في الجواب ظاهراً أو مقدراً. (كالجواب بنعم أو لا). مثاله قال تعالى: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا. قالوا نعم». فالسؤال معاد تقديراً. دونه: الجواب لا يستقلّ دون السؤال. فما حكم هذا الجواب العام الغير مستقلّ بنفسه؟ قال: تابع للسؤال في عمومه؛ وكذا لخصوصه. فإن كان السؤال عامًّا فالجواب عامٌّ. وإن كان خاصًّا فخاصٌّ. والمستقلّ؛ وقد مر بيانه وهو على ثلاثة أقسام؛ ① الأخص؛ بمعنى: أن يكون الجواب أخص من السؤال. مثاله كما لو سُئِل عن حُكم تطهير المياه عموماً. فأجاب بأن ماء البحر طهور. هذا هو الأخص. ② المساوي؛ يكون الجواب مساوياً للسؤال. عام في السؤال عن عام. وخاص في السؤال عن خاص. ③ عام: وهو أن يسأل عن خاص فيجيب بعام. فيكون الجواب أعم من السؤال.
(فهل نتعامل مع عموم اللفظ أم خصوص السبب؟)
والمستقلّ الأخص؛ وهو ما كان السؤال فيه عن خاص وجاء الجواب بلفظ أخص من السؤال فما حكمه؟ قال: جائز: أي: يجوز جريانه على خصوصه بشرط. قال: إذا أمكنت معرفة المسكوت؛ بمعنى: لما يكون الجواب أخص. يبقى من أفراد السؤال ما لم يذكر. فإن أمكنت معرفته بالتنبيه إليه مثلاً. (حتى لا يكون تأخير البيان عن وقت الحاجة). فيجوز حمله على الخصوص. والحكمة من ذلك توجيه السائل لما هو أنفع.
والمساوي واضح؛ فهو يُحمل على ظاهره إن كان عامًّا يؤخذ على العموم. وإن كان خاصًّا فعلى الخصوص.
والعام على سبب خاص؛ وهو أن يكون الجواب أعم من السؤال أو السبب. (حادثة - واقعة). مثاله سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء بئر بضاعة فقال: «إن الماء الطهور لا ينجسه شيئ». وقوله عن الرجل الذي وجده مغشيا عنه والناس حوله: «ليس من البر الصيام في السفر». فما حكم العام على سبب خاص؟ قال: معتبر عمومه عند الأكثر؛ أي: عموم الخطاب معتبر. وهو قول الأكثر من المذاهب الأربعة وغيرهم فيعتبرون عمومه ويجرونه ولا يؤثر فيه خصوص السبب. إذ
العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب. فإن كانت قرينة التعميم فأجدر: إن وُجدت قرينة تدل على التعميم فيُحمل على العموم من باب أولى. مثاله قال تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا». خطاب فيه مفرد محلى بأل. جاء لسبب خاص وهو سرقة رداء صفوان بن أمية. وإضافة السارقة في الخطاب قرينة جدارة العموم.
مسألة: إذا كانت العبرة بعموم اللفظ فما فائدة السبب الذي كان سبباً لورود الخطاب الشرعي؟؟ قالوا: فائدته أنه هو المقصود الأول بالخطاب، والدلالة عليه قطعية وعلى غيره ظنية. إذاً الدلالة على سبب ورود الخطاب قطعية. لا يجوز إستثناؤه ولا إخراجه بإجتهاد لكونه سبب ورود الخطاب. أما غيره ممن دخل في عموم الخطاب. فالدلالة ظنية يجوز فيهم الإستثناء. قال:
وصورة السبب؛ أي: الذي كان سبباً لورود الخطاب. قطعية الدخول: قطعية الدخول في العموم، عند الأكثر: الجمهور، فلا تخص بالإجتهاد؛ بخلاف الزائد عن سبب الورود فقد يدخله التخصيص لكونه ظني. وقال: الشيخ الإمام: والده ظنية؛ أي: دلالته على صورة السبب ظنية لا قطعية. وبالتالي يمكن أن يدخلها التخصيص. وهو مذهب يُنسب للحنفية نتج عن قصة الصحيحين بين سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش». فرجح والد المصنف أن صورة السبب أقوى من غيرها لكن لا تصل إلى القطع. قال: ويقرب منها خاص في القرآن: تلاه في الرسم عام للمناسبة؛ هذه المسألة فيها شبهٌ فأوردها. بمعنى: أن العام الوارد لسبب خاص، يُشبه العام الذي يأتي في القرآن عقب لفظ خاص. بأن تأتي آية فيها لفظ خاص تعقبها أخرى بلفظ عام. لما بين العام والخاص من مناسبة.
تعارض العام مع الخاص.#
مسألة: في تعارض نصين أحدهما عام والآخر خاص. فله أربعة أحوال: (التقدم - التأخر - التقارن - الجهل بالتّاريخ). قال:
إن تأخر الخاص عن العمل؛ أي: إذا جاء نص عام. وعُمل بعمومه ثم جاء خاص. بمعنى: جاء الخاص بعد العمل بالعموم فلا يكون تخصيصاً. فما حكمه؟؟ قال: نسخ العام: أي: يُنسخ بقدر مدلوله من العام. لا لجميع الأفراد. ويبقى العمل ببقية الأفراد. وإلا: أي: إن لم يتأخر عن العمل. بمعنى: جاء الخاص بعد العام لكن ما عُمل بالعموم بعد. فما حكمه؟؟ قال: خصص؛ أي: قبل العموم يكون مخصصاً لا ناسخاً.
*أما إذا تأخر العام عن الخاص. فيقدم الخاص عند التعارض بعض النظر عن وقت العمل. وقيل: إن تقارنا؛ أي: وُجدا في حالة واحدة بحيث يأتي العام مقارنا للخاص. تعارضا في قدر الخاص كالنصين؛ يكون التعارض في الجزء الذي خصه الدليل الخاص فقط. ويقدم الخاص فيما تعارضا فيه. كما يُتعامل مع نصين متعارضين.
*إذا جُهل التاريخ. يُقدم الخاص على العام أيضاً. وهذا هو قول الجمهور. خلاصته؛ أن العام يُحمل على الخاص عند التعارض في كل أحواله. سواء تقدم أو تأخر أو تقارن أو جُهل. إلا إذا جاء الخاص بعد العمل بالعموم. فيكون ناسخاً. ذلك لأن العام ظني والخاص قطعي (أقوى).
وخالف الأحناف. وقالت الحنفية وإمام الحرمين: الجويني العام المتأخر ناسخ؛ فالمتأخر ينسخ المتقدم مطلقا عند الحنفية. (نسخ القدر الذي حصل فيه التعارض). فالعام المتأخر ينسخ الخاص. والخاص المتأخر ينسخ العام. سواء عُمل بالعموم أم لم يُعمل. فإن جهل؛ لم يُعلم التاريخ فجُهل المتقدم من المتأخر. فالوقف؛ نتوقف ولا حكم لأحدهما على الآخر. (لا نحكم). أو التساقط؛ أي: تسقط كلا الدليلين ونبحث عن غيرهما في المسألة.
وإن كان كل عاما من وجه: أي: كلا الدليلين المتعارضين عام من وجه وخاص من وجه. ليس بعام مطلق ولا خاص مطلق. فالترجيح: لا يمكن تقديم أحدهما على الآخر إلا بالترجيح. مثاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». عام في الجنس (الرجال. النساء)، خاص في السبب. (الردة). ونهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. عام في السبب (ردة. حرب). خاص في الجنس (النساء). وقالت الحنفية المتأخر ناسخ: أي: لا عبرة بأحدهما. وإنما العبرة بالمتأخر فينسخ المتقدم. *لأن الحنفية عندهم: كل من العام والخاص قطعي.
باب المطلق والمقيّد.#
*المطلق يشبه العام. والفرق أن العام عمومه شمولي إستغراقي. والمطلق عمومه بدلي. (يكفي فيه الواحد).
المطلق: تعريفه: الدال على الماهية: هو اللفظ الدال على حقيقة الشيئ الذي وُضع له. مثاله قلم: ماهيته. هي آلة تستعمل للكتابة. بلا قيد: بلا قيد الوحدة ولا الكثرة. بلا قيد الوحدة ① ليخرج النكرة لأنها تدل على الماهية بقيد الوحدة المبهمة. مثاله جاء رجل ② وليخرج المعرفة لأنها تدل على الماهية بقيد الوحدة المعينة. مثاله جاء زيد. وبلا قيد الكثرة ليخرج العدد مثاله جاء عشرة.
*قول المصنف بلا قيد. فيه ردٌّ على تعريف الآمدي وابن الحاجب الذين جعلا للمطلق قيد الوحدة كالنكرة. قال:
وزعم؛ إشارة إلى عدم موافقته لهما. الآمدي: عرّف المطلق بأنه النكرة في سياق الإثبات. انتبه؛ المطلق من قبيل الخاص لا العام، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهذا ليس مطلقاً، فائدة. مثاله وجاء رجل.
وابن الحاجب؛ عرف المطلق بأنه اللفظ الدال على شائع في جنسه. (العبرة مختلفة والمعنى واحد عندهما). دلالته على الوحدة الشائعة؛ عرف المطلق بأنه اللفظ الدال على الماهية بقيد الوحدة الشائعة في الجنس. فيكون المطلق والنكرة عندهما مترادفين متّحدان. توهماه النكرة؛ أي: وقع في وهميهما وذهنيهما أنه النكرة. ومن ثم قالا؛ أي: ولأجل هذا التأصيل. (أي: ترتب على تعريفهما). الأمر بمطلق الماهية؛ أي الأمر بالماهية المطلقة الغير مقيدة. مثاله كقولك: اضرب دون تقييد بشرط، فلم تذكر بالعصى أو بالسوط أو غيرهما. أمر بجزئي؛ أمر بجزء من جزئيات الماهية. مثاله سواء ضربت بالعصى أو السوط أو السيف. وكل هذه جزئيات من الماهية التي هي الضرب. أجزأك. وليس بشيئ؛ وليس قولهما بشيئ. (بمعنى: لا يصح).
*عند الجمهور: الأمر بمطلق الماهية، أمر بنفس الماهية. ولا ينصرف إلى جزء من جزئياتها إلا بقرينة. مثاله سيد أراد إكرام عِلية القوم. وعادته أن يذبح لهم كبشاً. فقال لعبده. اذبح حيواناً. والكبش جزء من ماهيته، فالقرينة أن يذبح كبشاً. وإن كان السيد أطلق. (حيوان). لا دجاجة. لوجود القرينة. (العادة).
وقيل: بكل جزء؛ أي: الأمر بمطلق الماهية، أمر بكل جزء من جزئياتها. وقيل: إذن فيه؛ إذن في كل جزء من جزئياتها أن يوجد. مثاله إضرب. إذن بإيجاد الضرب في كل جزء من جزئياته. (العصى أو غيره).
*ظهور وبيان ثمرة الخلاف بين المطلق والنكرة. قال لزوجته: إن كان حملك ذكراً. فأنت طالق. وولدت ذكرين أو أكثر. فتطلق على قول المصنف بالواحد وغيره، ولا تطلق
على قول لآمدي. وبن الحاجب. لأن النكرة تدل على الواحد الشائع لا أكثر.
ما قيل في العام والخاص يقال في المطلق والمقيد من حيث الحمل.#
وذلك لشدة اتصال العام والخاص بالمطلق والمقيد، ولشدة الشبه بين العام والمطلق.
مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص: أي: في جريان الأحكام السابقة اتفاقاً واختلافاً، فكما أن العموم إذا ورد وحده يجري على عمومه والخاص على خُصوصه، فكذلك المطلق والمقيد. وكذلك عند التعارض. يتكرر نفس الخلاف الذي مر في العام والخاص. هنا في المطلق والمقيد.
*وفي تعارض المطلق والمقيد أحوال أخرى زادها فقال:
وأنهما: أي: المطلق والمقيد. إن اتحد حكمهما وموجبهما: أي: اتحد الحكم والسبب. وكانا مثبتين: أي: كانا أمراً لا نفيا أو نهيا. مثاله قال تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم...» الدم مطلق. وقال تعالى: «أو دماً مسفوحاً». الدم مقيد بالمسفوح. إذا عندنا نصان مثبتين (ليس فيهما نفي أو نهي). إتحدا في الحكم (الذي هو التحريم) والسبب (الذي هو الإيذاء). قال: وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ: إذا جاء المطلق وعملت به الأمة ثم بعد ذلك جاء المقيد. فيكون الأخير ناسخاً لا مقيداً. كما في العام والخاص. وإلا حُمل المطلق عليه: إن ورد المقيد قبل العمل بالمطلق. فيكون مقيداً. وقيل: وهو مذهب الحنفية. المقيد ناسخ إن تأخر؛ أي: إذا تأخر، سواء عمل به أم لم يعمل يكون ناسخاً لا مقيداً تماما كقولهم في العام والخاص. وقيل: هذه صورة ذكرها السبكي ولم تنسب لأحد وهو مذهب غريب. يحمل المقيد على المطلق؛ يُحمل المطلق على المقيد بإلغاء القيد.
وإن كانا منفيين: أي: المطلق والمقيد إتحدا في الحكم والسبب وكان فيهما (نفي أو نهي لا أمر): مثاله لا تعتق مكاتبا.
هذا مطلق. لا تعتق مكاتبا كافراً. هذا مقيد. فقائل المفهوم يقيده به: أي: من يرى حجية مفهوم المخالفة (كالجمهور)، يقيده فيجيز إعتاق المكاتب المسلم. ومن لا يرى حجية المفهوم يطلقه. فيمنع اعتاق المكاتب مطلقاً. وهي خاص وعام: أي: هو من باب الخاص والعام لكونه نكرة في سياق النهي. وليست من باب المطلق والمقيد.
وإن كان أحدهما أمراً والآخر نهيا؛ مثاله [أعتق رقبة] مطلق. [لا تعتق رقبة كافرة] مقيد. أو العكس.
فالمطلق مقيد بضد الصفة: حمل المطلق على ضد صفة المقيد. أي. عتق رقبة مؤمنة.
وإن اختلف السبب: مثاله كفارة عتق الرقبة بسبب الظهار أو بسبب القتل الخطأ. فقال أبو حنيفة لا يحمل: لا يحمل المطلق على المقيد. فعتق الرقبة المؤمنة يكون فقط في القتل أما في الظهار واليمين فيبقى على الإطلاق وتجزئ أي رقبة.
وقيل: يحمل لفظاً؛ أي: أن الحمل لغوي من جهة اللفظ.
وقال الشافعي قياساً؛ أي: يحمل عليه من جهة القياس.
وإن اتحد الموجب واختلف حكمهما؛ أي. اتحد السبب واختلف الحكم. مثاله. كآية الوضوء. فيها تقييد غسل اليدين بالمرفقين وإطلاق الأيدي في التيمم. والسبب واحد وهو (الحدث) والحكم (الغسل أو المسح). فعلى الخلاف: أي: على الخلاف الذي ذُكر في الصورة التي تقدمتها، والمذاهب الواردة هناك، ترد هنا. من جهة الحمل وعدمه.
والمقيد بمتنافيين: أي: المطلق الذي يتنازعه متنافيين لا يكون حمله على أحدهما بأولى من الآخر. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم في ولوغ الكلب في الإناء: «إحداهن بالتراب»
هذا مطلق. يتنازعه متنافيان. أحدهما: قوله: «أُولاهن». مقيد بالأولى. والآخر قوله: «أخراهن أو السابعة». مقيد بالأخيرة أو السابعة. فما العمل؟؟؟ يستغنى عنهما: لا يُحمل على أحدهما. ويتمسك بالإطلاق. هذا إذا كان الحمل من جهة اللفظ. وفاقاً للقاعدة: المطلق إذا تنازعه قيدان متنافيان فلا يُحمل على أي منهما. إن لم يكن أولى بأحدهما قياساً: أي. إلا إذا تبين من جهة القياس من حيث جمع العلة في الأصل والفرع... أنه أولى بأحدهما. فيقاس عليه.
باب الظاهر والمؤول.#
الظاهر: